مدخل إلى دراسة الأدب في عمان: المصادر - المناهج - المراحل - النماذج أحمد درويش

مدخل إلى دراسة الأدب في عمان

الجزء ١ · صفحة ٢٩٠

شدت رأسه الى صدرها واحتضنته كأم تودع ابنها للسفر، قبلته بعنف عاشق. كاد أن يغلبهما النوم لولا صراع الخراف الذى أيقضهما من الغيبوبة، فانتفضت الصبية كالمذعور من كابوس وسرعان ما أطلقت الحمل ليعود الى أمه كانت الصبية منتشية، تردد أغنيات الرعاة، والمكان الفسيح الذي يعج رائحة العشب الطرى تحول الى مخدع الحب الخفى المنبثق من الحرمان. تخلصت الصبية من أرديتها التي تشبه القيود قطعة بعد أخرى حتى غدت جرداء كالصحراء. أطلقت صرخة مدوية اهتزت لها عظمة السكون الهى هأنذا كما ولدت، فهل أبدأ بالبكاء كما كنت»؟ جمعت نفسها لتصرخ مرة أخرى لكنها عدلت. نظرت الى الحمل وهو يقفز فهاجها خفته تلك ففعلت مثله. تقفز وتطير وتنحدر، تستلقى وتتمرغ، تنهض وتعدو، تدور وتسقط، تنتشى وتجلس. تجلس باعياء وتفرج ساقيها. تحيي الطيور المهاجرة، ترسل القبلات في الهواء للخراف البيضاء. تناديها وترسم لها اشارات الاقتراب واشارات أخرى، والخراف لا تستجيب خيل لها أن الخراف عمياء.

تخلف أحد الطيور المهاجرة عن سربه. حام حول المرعى، حط رحاله بالقرب من الصبية وأطلق تنهيدة مكبوتة أفزعتها من الخدر. جفلت بادئ الأمر استدارت تبحث عن وقاية ترتديها أو ورقة شجرة تسترها. كانت أرديتها بعيدة وأوراق الشجر أكلته الخراف كسرت حدة خوفها المباغت وأخذت تربت على ظهر الطائر. التصق الطائر بصدرها فرحة وبهجة في عناق حميمي كعناق اليائس. بالموت. وبينما كانت الصبية تتلذذ بدفء جسم الطائر ذابا في نار هادئة بعيدة عن سحق الأنظار. تحولت الرقعة الخضراء، فجأة، الى نقطة بيضاء ثم عادت كما كانت سوداء داكنة، أبحث عنها في الفضاء الأسود ولا أجدها

•

289