مدخل إلى دراسة الأدب في عمان
الجزء ١ · صفحة ٧٠ونفس التطور حدث في مستوى الكتابة، فأصبحت الوحدة الأدبية أو العلمية المكتوبة تتطلب قدرا أساسيا من التماسك، يتمثل في وحدة موضوعها سواء قدمت في شكل مقال أو كتاب، وقد تنبه العالم الفرنسي چورج بوفون، في القرن الثامن عشر في مقاله الشهير: «مقال فى الأسلوب» إلى أن الفرق الأساسي بين لغة الكلام ولغة الكتابة، هو سرعة الانتقال من موضع إلى موضوع في لغة الكلام (كما يحدث في جلسات السمر التي تتنوع فيها أحاديث المتحدثين، دون أن يربطها رابط إلا مجرد أنها قيلت في جلسة واحدة (على عكس لغة الكتابة التي ينبغي أن يضم موضوعها خيط رئيسي تتفرع منه خيوط مختلفة لكي يكون النسيج
محكما، وتلك حقائق أصبحت موضع تسليم في لغة التأليف في مختلف فروع المعرفة وقد كان أسلافنا من العلماء الاجلاء في التراث العربي والاسلامي أول من اهتدى إلى هذه الحقائق منذ قرون وطبقوها في كتبهم المحكمة والتي ظلت ترتبط بخيط واحد حتى فى مجال الفكاهة والسخرية مثل أخبار البخلاء وأخبار الحمقى
والمغفلين
الخ.
4 - أن الفرع الذى كان يستساغ فيه قديما تداخل المعلومات وهو فرع «فن المجالس» كان يتم فيه إيجاد حد أدنى من التجانس يسمح بالانتقال من معلومة إلى أخرى، كأن يكون إطارها عصرا واحدا أو ملمحا مشتركا، أو حتى تقابلا واضحا. وأذا أخذنا نموذجا على ذلك، منهج الحصرى القيرواني صاحب كتاب زهر الآداب وهو من أشهر كتب هذا الفرع، ومن الكتب التي ذكر مؤلف كتابنا أنها من مصادره، لوجدنا أن الأمر لم يكن مجرد خلط مطلق بين نتف لا يحدها نظام، وانما كان يدور في دائرة الآدب وما التصق به التصاقا من التاريخ والأخبار، ثم يزاوج فيه صاحبه كما يقول بين التسلسل والارسال، وهو يشير إلى هذا في مقدمته حين يقول: «فجعلت بعضه مسلسلا وتركت بعضه مرسلا ليحصل محرر النقد، مقدر السرد وقد أخذ بطر في التأليف، واشتمل على حاشيتى النصف» والذي ينظر بعد هذا في زهر الآداب نفسه سوف يجد الأخبار الواردة يأخذ بعضها بحجز بعض فالجزء الثانى مثلا، يفتتح بألفاظ في وصف الطعام، ثم مقطوعة لابن الرومي في وصف الطعام وبعدها مقامة لبديع الزمان هى المقامة البغدادية في وصف الطعام،
69