من عرف نفسه عرف ربه أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

من عرف نفسه عرف ربه

الجزء ١ · صفحة ١٠

من عرف نفسه عرف ربه

القول الثالث: عزاه المحقق الخليلي رحمه الله تعالى إلى بعض الصوفية وهو أن النفس هنا هي عبارة عن الروح، وحسب الإنسان أن يعرف روحه ليعرف عظمة ربه سبحانه، فإذا كانت هذه الروح - التي بها قيام جسمه وأثرها في كل جزيئة منه، وسلطانها نافذ في كل ما دق وجل منه - لا يعرف الإنسان ماهيتها، ولا يتخيل حقيقتها ولا يدركها بأي حاسة من حواسه، فلا يبصرها بعينيه ولا يسمعها بأذنيه ولا يمسها بيديه، ولا يشمها بمنخريه ولا يذوقها بلسانه أو شفتيه ولا يكيفها بعقله ولا يتصورها بخياله، ولا يعرف كيفية اتصالها بجسمه ولا انفصالها عنه، فإنه أحرى به أن يكون عن معرفة حقيقة الذات الإلهية أعجز، وأن يدرك قطعا أنه لا يمكنه أن يدركه بأي حاسة من حواسه، إذ الروح لا تعدو أن تكون من سره وأثرا من أمره ومظهرا من أمره ومظهرا من غيبه، ومع ذلك حيل بين الإنسان اكتشاف ماهيتها واكتناه، حقيقتها، ووقفت دون ذلك ملكاته وطاقاته خاسئة حسيرة، فكيف يمكنه مع ذلك أن يتوصل إلى سر الحقيقة الإلهية

نقطة

وبين

ويستجلي كنهها؟!.

على أن الروح إنما هي

آية من آيات الله الخفية تعرف بآثارها وتجلياتها في الجسم بما يفيض منها عليه من الحياة وما يتبعها من الطاقات والملكات، وهكذا شأن الله سبحانه وتعالى فإنه الباطن الظاهر فلا يدرك بالحواس ولا يعرف بالقياس، وإنما يظهر بتجلياته في خلقه، إذ ما من ذرة من ذرات مخلوقاته إلا وهي مشرق لأنوار تجلياته ومظهر لجماله ومجلى لجلاله وكماله.