من عرف نفسه عرف ربه
الجزء ١ · صفحة ٩من عرف نفسه عرف ر
عنده كالظواهر، والرقائق عنده كالغلائظ، وهو السميع الذي أحاط بدقائق الأصوات وخفاياها وبجلائلها وظواهرها لا يشغله صوت عن صوت، ولا تلتبس عليه بكثرتها ولا تشتبه عليه باختلاطها، وهو الكريم الذي وسع خلقه فضلا ومنة وعطاء ولطفا، والحليم الذي لم يستفزه أعداؤه بما يواجهون به نعماءه من الكفران والجحود، وبما يصفونه به من النقائص، وبما ينسبونه إلى ذاته العظيمة وصفاته الكريمة من العيوب، تعالى الله عما يقولونه علوا كبيرا، وإنما يؤخرهم لميقات محدود وأجل معدود، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.
وهو الغني الذي يفتقر إليه كل موجود، وهو غني عن الموجود والمعدوم، وهو الحي الذي لا يموت لا بداية ولا نهاية لوجوده وحياته، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88].
أن
وبالجملة؛ فإن ما في الإنسان من هذه المظاهر الكمالية لا يعدو أن يكون صورا تدل على كمالاته تعالى وإنما الفرق بين ما يتصف به الإنسان المخلوق وما يتصف به الله الخالق أن ما يتصف به الإنسان لا يعدو يكون مظاهر نسبية محدودة وما يتصف به الخالق حقائق مطلقة لا حدود لها، وما يتصف به الإنسان هو منحة من الوهاب الكريم وحلة ألبسه إياها إلى حين، وما يتصف به الخالق إنما هو من كمالات ذاته لا يزول ولا صفات أزلية أبدية ليست معلولة لشيء ولا موقوفة على
يحول، وهي شيء، ويظهر من كلام الإمام أبي يعقوب الوارجلاني أنه يعتمد هذا القول كما في الدليل والبرهان (16/ 3).