من عرف نفسه عرف ربه أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

من عرف نفسه عرف ربه

الجزء ١ · صفحة ٨

من عرف نفسه عرف

القول الثاني: أن من عرف نفسه بالصفات الحسنة عرف اتصاف ربه بحقائق تلك الصفات بطريقة الأولوية، فهو إن نظر إلى نفسه وجد أن الله سبحانه ألبسه من الصفات البهية ما ميزه به عن جنس الحيوان، ورفع به قدره فوق كثير من مخلوقاته، وإن كان اتصافه بهذه الكمالات أمرا نسبيا محدودا، فهو على طريق المجاز حي عليم قدير سميع بصير حليم كريم مريد حكيم متكلم رؤوف رحيم، وما هي مع قصورها إلا مظاهر لكمالاته تعالى التي لا تحد، وقد أوجدها في عبده لتكون حجة عليه إن لم يؤد شكرها، ومن عرف ذلك من نفسه أدرك أن الله واهب هذه الصفات هو أولى بها، وعرف اتصافه سبحانه بمطلق حقائق هذه الكمالات، بحيث لا تحد بحد ولا تقيد بقيد، فهو العليم بكل ما كان وما سوف يكون وما لم يكن أن لو كان كيف سيكون، يعلم البواطن كالظواهر، والسرائر كالعلانية، فلا يخفى عليه مما في الوجود شيء، وقدرته أحاطت بكل شيء فلا يعجزه معدوم أن يوجده ولا موجود أن يعدمه، ولا ميت أن يحييه ولا أن يميته، ولا غني أن يفقره ولا فقير أن يغنيه، ولا قبيح أن يجمله ولا جميل أن يقبحه، ولا سعيد أن يشقيه ولا شقي أن يسعده، تنفعل له الأشياء كلها، فيتصرف فيها إيجادا وإعداما، ورفعا وخفضا، وبسطا وقبضا، وإحياء وإماتة، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ

حي

فَسُبْحَنَ الَّذِي بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82 - 83].

وهو البصير بكل ما في الوجود لا يحجبه شيء عن شيء ولا تلتبس عليه الصور، ولا تختلف عليه الظواهر والبواطن، وإنما أحاط بصره بكل دقيقة وجليلة وشمل كل ما رق و غلظ، وكل ما لطف وصلب، فالبواطن

?