مذكرة مادة منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٨4
مقرر منهج الدعوة عند الإباضية – السنة الثالثة - الفصل الخامس.
بعد أن قضي على أبي بلال، بدأ الإمام جابر بن زيد يتأمل الواقع، ورأى أن المسلك العدائي ولمواجهة بالسيف مع الدولة الأموية أسلوب خاطئ، ورأى أن الدعوة السلمية تُوَاجَه بالعنف أيضًا، مما أدى إلى القضاء على خيار الدعاة.
وبحكم ما عند الإمام جابر من سعة في العلم فقد فكر في منهج آخر، وهذا المنهج يقوم على عدة أسس، ومنها:
الأساس الأول: كتمان أمر الدعوة
أول أساس وضعه الإمام جابر في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هو: إتباع منهج الكتمان في حالة الخوف.
فبعد أن شعر بضرورة الدعوة انطلاقا من قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله) [آل عمران: 110]، كان لابد من استمرارية عملية الدعوية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بأسلوب مختلف عن المحاولات الدعوية السابقة، وأن يكون لهذا المنهج الذي يريد أن يضعه دليل من القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وفيما يلي ما يدل على هذا المنهج:
1 - كتمان مؤمن آل فرعون للدعوة:
في القرآن الكريم إشارات إلى كتمان الدعوة في حال الخوف عليها وعلى أصحابها، فعندما نتأمل كتاب الله نجد أن المؤمنين في الأمم السابقة كانوا يمرون بظروف صعبة وخوف شديد فكان مسلكهم الكتمان والبعد عن الأنظار؛ محافظة على الدين، وبُعدًا عن الصدام الذي قد يؤدى إلى القضاء على الدعوة، أو على الدين بشكل عام. ففي كتاب الله ل نجد قصة الرجل المؤمن من آل فرعون، قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله) [غافر: 28] فحكى الله سبحانه وتعالى عن هذا الرجل أنه كان يكتم إيمانه، ولم يكن يظهر