مواقف منصفة لأهل الحق والاستقامة ح 1
الجزء ١ · صفحة ٦٨وقد بادت جميع فرق الخوارج آنفة الذكر ولم يتبق منها سوى طائفة الإباضية تقيم في عمان وفي جهات أخرى من شمال أفريقية، ويكره إباضية عمان أن يسموا خوارج، حيث إنهم لم يعد يربطهم بالخوارج سوى اسمهم وهم الآن متعايشون مع المسلمين على أكمل وجه، وقد استطاع المذهب الإباضي أن يثبت أصالته خاصة في العصور المتأخرة في عمان، حيث استطاع أن يعطي تطبيقات عملية حول سلطات الإمام وواجباته ومسؤولياته الإدارية والمالية والأمنية، يقول الدكتور فاروق عمر: وبعد أن نجح الإباضية في تأسيس كيانات سياسية في عمان والمغرب العربي فقد كان لا بد لهم من أن يغيروا ويعدلوا في نظريتهم … وهنا لا بد من القول بأن المذهب الإباضي أظهر مرونة واعتدالاً ونظرة توفيقية بحيث يتلاءم مع الظروف السياسية والاجتماعية في عمان وفي ذلك يكمن سر نجاح الإباضية واستمرارها لأكثر من اثني عشر قرناً من الزمان.
وكان الإباضيون في المغرب العربي سواء أكانوا حكاماً أم ثواراً على قدر كبير من العفة والنزاهة والأخلاق الحميدة التي تؤكد تمسكهم بأهداب الشريعة الغراء، يقول الدكتور محمود إسماعيل: فحروب الإباضية في المغرب عموماً انطوت على مثالية مفرطة في معاملة الخصوم ونجد مصداقا لذلك في حروب أبي يزيد … فحسبه وفاؤه بالعهود التي كان يقطعها على نفسه ببذل الأمان لسكان المدن المفتوحة، ولم يلجأ إلى أساليب القمع والبطش إلا حين تمردت هذه المدن وانضمت الخصومه
36 - يقول الدكتور عمر بن الحاج صالح با عن الإباضية: " إن كل المسلمين الذين أتاح لهم الحظ الاتصال بالإباضية يجدون أن ما يقال عنهم غير صحيح، بل إنهم مسلمون كباقي المسلمين، قد يخطئون في اجتهاداتهم حيناً، ويصيبون في أكثرها كغيرهم تماماً، لان المصدر واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله بلا أدنى تمييز بين هذا المذهب أو ذاك، غير أن المسلمين السنيين في الحقيقة ما زالوا يتقلبون في خطأين، فأما الأول: فخطأ تاريخي، والثاني خطأ منهجي، والخطأ الراجع إلى التاريخ، هو في رأينا الاستمرار في خلط الأمور التي تداخلت يوماً ثم انفصم بعضها من بعض فيما بعد عملياً، إلا أن المؤرخين بقوا يضعونها في خانة واحدة، أقصد من هذا عدم التمييز بين الإباضية والخوارج، رغم انفصال زعيم الإباضية عن الخوارج، ومحاربته إياهم، ورغم شهادة التاريخ بأن أحد أكبر قادة الجيوش الإسلامية التي حاربت الخوارج حروباً متواصلة ضارية، كان إباضياً عمانياً، وهو المهلب بن أبي صفرة، ورغم اعتراف باقي المسلمين بأن الإباضية شديدو الغيرة على الإسلام والتمسك به، والتفاني بالإخلاص له، وعدم الاتصاف بالتعصب المذهبي، ومع كل هذا فالمسلمون الآخرون ظلوا ينظرون إلى الإباضية - من خلال صورتهم المرسومة في كتب التاريخ على أنهم مجرد فرقة من الخوارج، وهو ما جعل الناس تنظر إليهم نظرتها الى الخوارج في إطار ما قيل عنهم تاريخياً، سواء أكانوا مظلومين في الأحكام التي أنزلت عليهم أم كانوا حقا كما وصفتهم كتب التاريخ التي نقرأها ونستقي منها معلوماتنا عنهم"، وقال أيضاً
صـ 195
—
الصحابة ومكانتهم عند المسلمين، محمود عيدان أحمد الدليمي، رسالة ماجستير (مرقونة) قدمت إلى مجلس كلية العلوم الإسلامية، 1413 هـ 1993، دراسة في الفكر الإباضي، عمر بن الحاج صالح با، مكتبه الاستقامة، مسقط – سلطنة عمان، ط 1986،1 م، ص 50
68