نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٠٥وقتذاك كان جابر بن زيد، وأنه لم يقم بالمراسلة مع عبد الملك بدلا من ابن إباض لتصميم أتباع الفرقة بأن تبقى الحركة سرية بقدر الإمكان، وأن يبقى اسم مؤسسها ومنظم دعوتها مستورا حتى لا يبطش به الأعداء والولاة
عن
على أن أول ما نلاحظه على كلام الباحث المشار إليه هو التناقض الظاهر، ففى الوقت الذى يشير فيه إلى تصميم أتباع الفرقة الإباضية على أن تبقى حركتهم سرية، يقول: إن الإباضية رأوا أنه لابد لهم من الإفصاح عن آرائهم ومعتقداتهم. هذا فضلا أن مخالفة الإباضية للخوارج المتطرفين فى الرأى والتنديد بهم لا يحتاج إلى شخص تحميه قبيلة قوية من بطش الولاة الأمويين لأن هؤلاء كما سبق أن ذكرنا- لا يعقل أن يتعرضوا بأى أذى لمن يقوم بهذا التنديد، بل على العكس يكون في أمان من أذاهم كما أننا لا نوافق على القول بأن ابن إباض كان في منعة من قومه بني تميم الذين يطلق عليهم الإباضية (1) اسم "الحجر "الخشن"، ويبالغون في حجم قوتها إلى حد القدرة على تجنيد مائة ألف ضارب سيف (2)، لأن ولاة الأمويين من أمثال زياد ابن أبيه وابنه عبيدا الله والحجاج بن يوسف الثقفى كانوا يضربون بشدة على أيدى أى شخص يرون فيه خطرا على الدولة الأموية، غير عابئين البتة بالقبيلة التي ينتسب إليها، بل إن زيادا كان يتوعد كل قبيلة بإجلاتها وحرمانها من العطاء، إن هي تقاعست عن قتال من ينضم من أبنائها إلى الخوارج، وكذلك كانت القبائل إذا أحست بخارجية فيهم شدتهم وأتت بهم الوالى المذكور (3). وقد استمر هذا النكال بالخوارج، ولكن بصورة أبشع، على عهد كل من عبيد الله بن زياد والحجاج، ولا يغيب عن بالنا أن أعدادا كبيرة من المحكمة - بما فيهم عبدا الله بن إباض - كانوا في سجن ابن زياد بالبصرة، وأن هؤلاء لم - يخرجوا منه إلا بعد موت الخليفة يزيد بن معاوية واضطراب أحوال الأمويين، ذلك الاضطراب الذي حمل ابن زياد على الهروب إلى الشام. أما الحجاج فإن بطشه بأعداء الدولة الأموية مشهور لا يحتاج أى بيان، ولكنه مع ذلك كان يلين بالنسبة لغير المتطرفين
(1) سالم حمود السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص 55.
(2) انظر يحى بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، ص 16.
(3) المبرد: الكامل في الأدب، حـ 3، 136
-
137، والطبرى: تاريخ الأمر، جه، ص 288.
-1.-