نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٢٣يأتيه كل يوم قبل صلاة الصبح رغم مفارقته له قبل العتمة، وأنهما سافرا سويا إلى الحجاز حيث قابلا السيدة عائشة - إن ذلك لا يفهم منه منه بالضرورة أن جابرا كان إماما للمحكمة، وأن أبا بلال تابع له، لأن الأخير في الواقع كان هو الذي يتزعمهم بدليل ما سبق أن ذكرناه من أن أصحاب أبى بلال خاطبوه ذات يوم بقولهم: "أنت سيد المسلمين (المحكمة) وبقيتهم (1). وأما الصلة الوثيقة بين جابر وأبى بلال فهي – إن صحت لا تعدو أن تكون تقديرا من جانب أبى بلال لعالم كبير مثل جابر الذى كانت له مكانة طيبة بالبصرة ولم يكن يضن بعلمه على أحد. ومن الملفت للنظر حقا أن الشماخي (2) يحاول أن يصور السيدة عائشة بأنها أتمت بخروجها يوم الجمل، ويجعل توبتها من ذلك الإثم على يدى جابر وأبى بلال بالذات، فيروى عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل قوله: إنهما دخلا عليها وهما بالحجاز وعاتباها على ماكان منها يوم الجمل، فأعلنت توبتها من ذلك. مع أن خروجها كان من قبيل الاجتهاد، وبفرض أنها لم تصب، فلا إثم على المجتهد الذى لم يصب، بل له الأجر على اجتهاده، وكونها - الله عنها - من أهل الاجتهاد لاريب فيه (3). ولذلك لما ظهر عليها على بن أبى طالب رضى الله عنه وأتاها بعد المعركة قائلا: "غفر الله لك" قالت: "ولك". ما أردت
رضي
إلا الإصلاح (4).
ومن الجدير بالذكر أن أبا قحطان (5)، وهو إباضي توفى قبل الشماخي بسبعة قرون، يؤكد أن السيدة عائشة أعلنت توبتها على الملأ عقب انتهاء معركة الجمل سنة 36 هـ مباشرة، وذلك حين جاءها عمار بن ياسر وقال لها: " أخبرينا عن هذا القتال الذي تقاتلينا، أعهد إليك رسول الله به، أم رأى رأيتيه؟ فقالت عائشة: بل رأى رأيته.
(1) الشماخي: السير، جـ 1، ص 62.
(2) نفسه، ص 65
(3) ابن العربي: العواصم من القواصم، ص 164 حاشية 275
(4) نفسه
،
ص
163 حاشية 275
(5) السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ص 108.
-121 -