نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٣٤إليهم". ومن الملاحظ أن ابن أبي الحديد لم يسق اية أدلة لنفي انتساب أحد من المذكورين لرأى الخوارج، ولكن ذلك لا يعني أن أى واحد منهم كان من الخوارج، فالإمام مالك مثلا لا يختلف اثنان على أنه من فقهاء أهل السنة وصاحب أحد أشهر المذاهب السنية، ويزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج كان كما سبق القول- مخلصا لسيده ووقع اختيار الخليفة يزيد بن عبد الملك عليه ليكون واليا على أفريقية، وهناك لقى مصرعه على أيدى الخوارج، وخليفات (1) نفسه ينفى عدم كونه من الخوارج. كما ذكر الباحث المذكور (2) أن القلهاتى الإباضي استعان في تأليف كتابه "الكشف والبيان" برواة من أهل السنة أشهرهم مجاهد وابن شهاب الزهرى ومحمد بن السائب الكلبي. فلماذا لم يعتبر هذا الباحث مولى الحجاج المذكور ومجاهد من أسلاف الإباضية، مثلما فعل بالنسبة إلى جابر بن زيد، رغم أن ابن أبى الحديد لم يسق الأدلة على نفى علاقة كل
منهما بالإباضية؟
ويفهم مما ذكره المبرد (3) أن وصف أحد الأشخاص بالميل إلى رأى الخوارج على النحو الذي ورد عند أبى الحديد وغيره، كان يعنى أن هذا الشخص ينكر مبدأ التحكيم، مثله في ذلك مثل الخوارج، لكنه مع ذلك يقر لعلى بن أبى طالب بإمرة المؤمنين ولا يرى صحة الخروج عليه ومحاربته فضلا عن تكفيره والتبرؤ منه. يقول المؤرخ والأديب المذكور: "إن عدة من الفقهاء ينسبون إليه أى) مذهب الخوارج)، منهم عكرمة مولى ابن عباس، وكان يقال ذلك في مالك بن أنس … فأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان ينكر الحكومة … ثم يذكر عليا فيقول: لم يزل أمير المؤمنين على رحمه الله يتعرفه النصر ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكم والحق معك؟ ". وهكذا نلاحظ أن الحسن البصرى يقر لعلى بإمرة المؤمنين ويترحم عليه رغم إنكاره لمبدأ التحكيم. ويشير الشهرستاني (4) إلى أن الأشتر النخعى، أشهر قادة جيش على في صفين، لم يوافق علياً
(1) نشأة الحركة الإباضية، ص 97.
(2) نفسه، ص 22.
(3) الكامل في الأدب، ج 3، ص 118 (4) الملل والنحل، ص 109 - 110.
-132 -