نشأة الحركة الإباضية في البصرة محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الحركة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

كان فقيها لامعا وممن لا تأخذه في الحق لومة لائم. لكن الغريب حقا هو أن تفسر هذه المودة في القربى، والحرص على إسداء النصيحة لأسرة المهلب من جانب جابر، على أنه كان بمثابة الأستاذ الذي يلقن أفراد هذه الأسرة مبادئ المذهب الإباضي، وإذا أرسلت سيدة مثل عاتكة أخت يزيد بن المهلب مثلا بذبيحة إلى جابر على سبيل الهدية، قال خلفيات: (1) إنها من أشد الناس حماسا للمذهب الإباضى حتى أنها لا تبخل بمالها لمساعدة المحتاجين من أهل دعوتها. مع أن الشماخي (2) الذى استند عليه الباحث المذكور فيما ذهب إليه يقول: "أرسلت عاتكة بجزور إلى جابر، فأمر العنبر (أحد تلامذته) بأن ينحرها ويجزئها بين جيرانه، وأن يرسل إلى أهله. فأطاب وأكثر في جزء أبي الشعثاء (جابر). فقال: واسوأتاه! لاتفعل. ساوبيننا وبين جيراننا". وهكذا يتضح لنا من قصة هذه الهدية أنها لاتشير إلى حماسة عاتكة لأية دعوة، ولا إلى أنها كانت تقدم العون للمحتاجين من الإباضية، وأن كل مافى الأمر هو أن سيدة من ذوى اليسار (آل المهلب) أرسلت بهدية إلى واحد من ذوى قرباها (جابر) فأكل منها وفرق على الجيران (وليس المحتاجين من أهل الدعوة.

على

وبالنسبة لهند بنت المهلب لم يذكر خليفات سنده في القول بأنها كانت معروفة بولائها للمذهب الإباضى، علما بأن الرواية التى تفيد نفى هند لعلاقة جابر بالإباضية وأوردنا نصها فيما سبق - نقلا عن أبي نعيم، يفهم منها أن هندا نفسها لم تكن إباضية المذهب، لأن الظاهر من هذه الرواية أن بعض أهل العلم تواجدوا بمنزلها "وذكروا عندها جابر بن زيد" وماكان يشيعه الإباضية وقتذاك من إعتناقه لمذهبهم، فنفت إعتناقه لهذا المذهب، ودللت على ذلك بأن جابرا لو كان حقا يعتنقة لدعاها إليه، لأنه كان من أقرب المقربين إليها وإلى أمها ومن أحرص الناس على إسداء النصيحة لها في دينها. هذا فضلا عن أننا لم نقف على أية رواية - سنية كانت أم إباضية- تشير إلى أن هند بنت المهلب كانت إباضية. فلو أن الباحث المذكور وقف على رواية تشير إلى إباضيتها، كان يتعين عليه أن يذكرها مقرونة بالأدلة التى جعلته يرجحها على الرواية المذكورة التي تنفى

(1) نفسه، ص 101

(2) السير، ج 1، ص 71

-136