نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٣٩صلتها بالإباضية، وذلك قبل أن يقرر سيادته أن هندا عرفت بولائها للمذهب الإباضي وأنها اضطرت إلى أن تنكر علاقتها وعلاقة أستاذها جابر بالإباضية لأنها كانت تستجوب من قبل مخالفيها
ومن الجدير بالذكر أن جابر بن زيد كان قد توفى قبل أن تدلى هند بحديثها المشار إليه التي نفت فيه علاقة جابر بالإباضية، بدليل قولها: "كان جابر بن زيد من أشد الناس انقطاعا إلى وإلى أمى، فما أعلم شيئا كان يقربني إلى الله إلا أمرني به وإن كان ليأمرني". ولو أن حديث هند هذا وقع فى حياة جابر لما استخدمت لفظ "كان" على النحو المذكور. وبناء على ذلك يمكن القول بأنه لا معنى لما يشير إليه خليفات من أن هندا إضطرت إلى أن تنكر علاقة جابر بالإباضية مخافة كشف أسرار هذه الفرقة وتعريض أصحابها للأذى، خاصة وأن الإباضية أنفسهم هم الذين كانوا يشيعون بين الناس - حتى قبل موت جابر - أنه على مذهبهم، وذلك طبقا للروايات المشار إليها والمرفوعة إلى ثابت البنانى وعزرة الكوفى وغيرهما. ولا يخفى أن إشاعة إعتناق عالم مثل جابر ابن زيد للمذهب الإباضى بين الناس يفيد الدعوة الإباضية ولا يضرها. وإذا قيل بأن ذلك يمكن أن يعرض جابر للأذى فى حياته، فمما لاشك فيه أنه لا يخشى عليه شيء من هذا القبيل بعد مماته
هذا، ويفهم من روايات البنانى وعزرة الكوفى وغيرهما أن لفظ "الإباضية" كان متداولا بين المعاصرين لجابر بن زيد وهند بنت المهلب. ويؤيد ذلك ما ورد في بعض المصادر الإباضية (1) من إشارة إلى أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور كان يعرف إمام الإباضية أبا عبيدة مسلم بن أبى كريمة ومعاونه حاجب الطائى، وأنه ترحم على حاجب لما بلغه نبأ وفاته، كما تأثر لما علم بوفاة أبي عبيدة حيث رجع (2) وقال: "ذهبت الإباضية". ولو علم أبو جعفر بأن أبا عبيدة وأصحابه كانوا يستنكفون أن يطلق عليهم وقتذاك إسم "الإباضية" ما نطق به، خاصة وأنه كان في معرض التعبير عن تأثره لموت
(1) انظر الشماخي: السير، ج 1 ص 85. (2) أي قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
-137 -