نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٦٩متمرد أو ثائر، فضلا عن استعمالها أصلا للدلالة على الخوارج العقائديين (1). علما بأن بعض القبائل وكثيرا من البدو آزروا الخوارج ضد السلطة المركزية في صدر الإسلام لأسباب مصلحية بحته ليس للعقيدة فيها أثر، ولذلك غدت كلمتا "الأعراب" "الشراة" و متلازمتين خلال القرنين الأول والثانى بعد الهجرة، ويصعب الفصل بين الحركات القبلية المتمردة على السلطة المركزية وبين حركات الخوارج كات الخوارج العقائديين ويتضح ذلك جليا في كلام البلاذري (2) عن أهل الفتنة والفساد من الأعراب والشراة.
ويتفق المؤرخون وكتاب الفرق من أهل السنة على أن الخوارج -خاصة بعد تطور مذهبهم وتعدد -فرقهم يمثلون جانبا من الغلو والتطرف فى التاريخ الإسلامي، إذ كان هؤلاء يتشددون في معاملة مخالفيهم إلى درجة التنكيل حتى بالمراة والشيخ الفاني والأطفال الرضع، وعلى الرغم من كثرة تعبدهم وظهورهم مظهر الزهاد، فإنهم لم يتورعوا عن سفك دماء مخالفيهم من المسلمين الذين كانوا يعدونهم كفارا، بل إنهم كانوا يعاملونهم بما هو أقسى من معاملة الكفار، فيحكى المبرد (3) أن واصل بن رأس المعتزلة وقع فى أيديهم، فادعى أنه مشرك مستجير وطلب منهم أن يبلغوه مأمنه
عطاء
،
(1) يقصد بهم أولئك الذين كانوا يخرجون على أولى الأمر فى الدولة الإسلامية انطلاقا من المبادئ السياسية والدينية التي آمنوا بها ودافعوا عنها بحماسة، معتقدين أن صلاح الأمة مرهون بتطبيقها. فالخلافة على سبيل المثال يجب ألا ترتبط بجنس أو لون أو قبيلة أو أسرة، وإنما يشترط فيمن يتولاها الكفاءة النسبية لأى مسلم، فكل مؤمن غير متهم في دينه أو خلقه يستطيع ببيعة الجماعة يبلغ الإمامة الكبرى ولو كان عبدا، أما مرتكب الكبيرة فهو في نظر أغلب فرق الخوارج مشرك تجب معاملته معاملة المشركين، سواء كان حاكما أو محكوما، أما فرقة الإباضية فإنها لا تعتبر مرتكب الكبيرة مشركا إلا إذا أخل بالاعتقاد الإسلامى كإنكار ماعلم من الدين
أن
بالضرورة، أو تحريم ما أحله الله، أو أحلّ ما حرمه الله. (2) أنساب الأشراف (مخطوط) بمكتبة الدراسات العليا بكلية الآداب - جامعة بغداد (انظر فاروق عمر
فوزى: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 17).
(3) الكامل فى الأدب، ج 3 ص 180.
-17 V-