نشأة الحركة الإباضية في البصرة محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الحركة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ١٧١

اليعاقبة الذين ارتكبوا أقسى الفظائع فى الثورة الفرنسية، منذ استولت على هؤلاء ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، وباسمها قتلوا الناس، وأهرقوا الدماء. وأولئك الخوارج استولت عليهم أيضاً ألفاظ الإيمان ولا حكم إلا الله، والتبرؤ من الظالمين، وباسمها أباحوا

دماء المسلمين وخضبوا الأرض الإسلامية بنجيع الدماء وشنوا الغارة في كل مكان.

ويحكى المبرد (1) واقعة تشير إلى أن الخوارج كانوا يأخذون بظواهر القرآن الكريم دون أى تمعن، وخلاصة هذه الواقعة هي أن جماعة من الخوارج رأوا أحد أعيانهم، واسمه عبيده بن هلال اليشكري، يتردد على دار حداد بدون إذنه، فاتهموه بامرأته، وشكوه إلى أميرهم قطرى بن الفجاءة. فقال لهم: إن عبيده من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم. فقالوا: إنا لا نقره على الفاحشه. فقال: انصرفوا. ثم بعث إلى عبيده فأخبره، فقال: بهتونى ياأمير المؤمنين كما ترى. قال: إني جامع بينك فلا تخضع خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاول البرئ. فجمع بينهم فتكلموا فقام عبيدة فتلا قوله تعالى وبسم الله الرحمن الرحيم. إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم، لكل أمرى منهم ما اكتسب من الإثم، والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم … (2) الآيه. فلما سمعوها بكوا وقاموا إليه واعتنقوه، وقالوا: استغفر لنا الله. وهكذا نرى أنهم وجهوا التهمة في البداية إلى عبيدة بدون دليل، ثم برأوه في النهاية لمجرد الاستماع إلى الآية الكريمة المذكورة دون الوقوف على أي دليل يبرئ ساحة الرجل من هذا الاتهام الفظيع.

وبينهم

وقد ذهب فريق من أهل السنة إلى أن الخوارج من الكفار الخارجين عن الإسلام، بينما أدخلهم جمهور أهل السنة في عداد المسلمين. واستند الفريق الأول فيما ذهب اليه على أن الخوارج استحلوا ماحرمه الله تعالى من دماء المسلمين وأموالهم، كما أنهم هم المقصودون بحديث المروق من الدين الذي أوردته كتب الصحاح.

(1) الكامل في الأدب، ج 2 ص 225 - 226.

(2) سورة النور آية 11.

-179 -