نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٩الله
، إن هذا الأمر جاهلية (يعنى الإقدام على أخذ الثأر دون الانتظار لما يقرره الإمام وإن الناس من هذا الأمر - إن حُرِّك - على أمور: فرقة ترى ماترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدوا عنى، وانظروا ماذا يأتيكم، ثم عودوا.
وهكذا يتبين لنا أن على بن أبى طالب لم يكن يمانع فى محاكمة قتلة عثمان، وإنما رأى في البداية أنه ليس فى الإمكان أن يأخذهم بالعقوبة، لقوة شوكتهم، خاصة بعد أن انضم إليهم أفواج جديدة من الأعراب والعبيد، بحيث صاروا وكأنهم أصحاب الحول والطول، فكانت الحكمة تقتضيه أن يتريث حتى يتفرق جمعهم، خاصة وأنه دعا الأعراب إلى الإنسحاب إلى مياههم. إلا أن عليّا فوجئ بطائفة من المسلمين على رأسها السيدة عائشة وطلحة والزبير رضى الله عنهم، يعلنون أن ما فعله على من تأجيل القصاص من قتلة عثمان يعد سابقة خطيرة وتعطيل لحكم الله في قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب (1)، فعثمان قتل مظلوما، وبعض قتلته في عسكر على، وهم غالبون لهم شوكة، وإذا تقاعسوا عن قتالهم فلا يستبعد أن يواصلوا إعتداءهم على الغير، ورأت هذه الطائفة أن عليا عاجز عن دفعهم ومعاقبة قتلة عثمان من بينهم. وقد خرج هؤلاء المعارضون لعلى إلى البصرة حيث تمكنوا من الفتك بكثير من الذين اشتركوا في الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان، وحينئذ ثارت النعرات القبلية عند أهل أولئك الذين قتلوا، وربما خشى على إيقاظ فتنة أعظم إذا هو نفذ عقوبة القصاص في الباقين. يقول الغزالي (2): "على أن تسليم قتلة عثمان - على كثرة عشائرهم واختلافهم بالمعسكر - يؤدى إلى اضطراب أمر الإمامة فى بدايتها، فرأى التأخير أصوب". كما أن عليا - باعتباره أميرا للمؤمنين - لا يعقل أن يمكن طالبا للثأر من مطلوبه لينفذ فيهم مراده بغير محاكمة يجريها ولى الأمر في ظروف ملائمة (3)
(1) سورة البقرة، 179
(2) إحياء علوم الدين، جـ 1، ص 102
(3) ابن العربي: العواصم من القواصم، ص 166.
-17 -