نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٢١٥كما لا ينطبق حديث المروق على الخارجين على كل من عثمان وعلى، باستثناء
أهل النهروان، لأن هؤلاء لم يقتصر أمرهم على الانتقاض على الخلافة، وإنما شرع بعضهم في استعراض الناس وسفك دمائهم بغير حق، مثلما فعل خوارج البصرة بزعامة مسعر بن فدكى بعبد الله بن خباب بن الأرت، وهم في طريقهم إلى النهروان للانضمام إلى أخوانهم من أهل الكوفة، وذلك على النحو الذى سبقت الإشارة إليه. ولئن كان الإباضيون ينكرون صحة هذه الواقعة، إلا أن الدلائل تشير إلى صحة وقوعها، وسوف نناقش هذا الأمر فيما بعد.
والقول بأن حديث المروق وضع قصدا للتشنيع على أهل النهروان لادليل عليه، خاصة وأن أساس هذا القول هو ما ذكره الشماخي (1) من أن الاشعث بن قيس قال لعلى ابن أبي طالب: ناجز" القوم أهل (النهروان) فإن كلموا الناس أفسدوهم علينا". علما بأن المؤرخ المذكور لم يشر إلى المصدر الذى نقل ذلك عنه، خاصة وأنه من المتأخرين ت في القرن العاشر. كما أنه حريص بلا شك على تصوير أسلافه من أهل النهروان في صورة المجنى عليهم، بل إنه يقول عنهم: إنهم كانوا خير من على وجه
الأرض (2)
وقد سبق أن أشرنا إلى أن الكثير من الكتاب الإباضيون يرون أن حديث المروق صحيح، وأنهم يحملونه على علماء السوء وغلاة الخوارج من الأزارقة والنجدات والصفرية ومن على شاكلتهم. ولكن هؤلاء الكتاب يعترضون على السبب الذي ذكره البخارى لهذا الحديث وعلى الزيادة التي أوردها في آخره عما رواه الربيع بن حبيب، محدث الإباضية في مسنده للحديث المذكور، عن أبي عبيده مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدرى. والبخارى - وإن كان الإباضية ينزهونه عن الكذب، إلا أنهم يأخذون عليه أنه ينقل عن أصحاب الأهواء كالشيعة والمرجئة، ويقولون: لوصح ماجاء في روايته زيادة عما رواه الربيع بن حبيب من أن على ابن أبي طالب وجد بين قتلى النهروان رجلاً أسود عضديه مثل ثدى المرأة، أى بنفس الصفات
(1) السير، ج 1 ص 51.
(2) الشماخي: السير، حاص 51.
-213 -