نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥لا سبيل إلى التشكيك فيها، علماً بأن الطبرى (1) لم يذكر أنه قبل التحكيم خوفاً على نفسه، وإنما أشار إلى أنه أكره فقط على قبوله من جانب الأغلبية في جيشه مخافة الفتنة، وخاصة من أولئك الذين صاروا خوارج فيما بعد، مثل مسعر بن فدكي التميمي وزيد ابن حصين الطائي في عصبة معهما من القراء، ولما أعطى على العهد لمعاوية بقبوله
التحكيم، عاد هؤلاء فطالبوه بنقض العهد والاستمرار فى الحرب، فأبى عليهم ذلك وليس صحيحاً أن كل مجتهد مصيب، وإنما الصحيح هو أن لكل مجتهد نصيب، على أساس أن المصيب له أجران وغير المصيب له أجر، ثم ألم يكن أمير المؤمنين عثمان ابن عفان مجتهدا فيما ارتآه، وأن له حرمة لا إله إلا الله؟ فلماذا إذن استباح أسلاف الإباضية دمه الحرام وقتلوه في شهر حرام ببلد حرام؟ مع أنه كان أميراً للمؤمنين وله حق الاجتهاد أكثر من سواه فضلا عن حقه في أن يصان بحرمة لا إله إلا الله
ويرى البعض (2) أن الخوارج لم يكونوا في مستوى من اجتهد فأخطأ أو تأول فضل فلما عرف الحق تاب إليه، ولكنهم - تحت الشعار الذى رفعوه من البداية المبكرة لخروجهم ضد على - لم يكونوا قد أتوا بجديد، ذلك لأن هذا الشعار "لا حكم إلا الله" لم الله يكن مستحدثا على فكر الحياة الإسلامية، وكان الرجل الذي اختصموه - رضى عنهم - يأبى هو الآخر أن يكون الحكم لغير الله، ولكنه الغلو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم يوم قال: " .... ومن خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها ولايتحاشى من مؤمنها، ولا يفى لذى عهد، فليس مني ولست منه (3)
أما ما يشير إليه الحارثي من حيث إنكار بعض علماء المسلمين للتحكيم مثل: الحسن البصرى والإمام مالك وغيرهما، فإنه لا يدل على أن هؤلاء العلماء كانوا من الخوارج أو أنهم كانوا يلتمسون لهم العذر، خاصة وأن أحدا من هؤلاء العلماء لم ينكر
(1) تاريخ الأمم، ج 5 ص 49 - 50
(2) صابر طعيمة: الإباضية عقيدة ومذهبا، ص 37.
(3) أخرجه مسلم (كتاب) الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين وتحريم الخروج على الجماعة
انظر صابر طعيمة: الإباضية: ص 37 حاشية رقم 1)
-223 -