نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠إليه، وأنه لم ير عليا وحده كان هو المخطئ، بل أن الكثيرين من الخوارج الذين غلوا واشتدوا قد شاركوا بغلوهم وتشددهم فى الوصول إلى تلك الحالة السيئة والتقاتل الذى
أودى بحياة خيارهم.
ومن الملاحظ أن الغلو المشار إليه والذى بدأت تظهر بوادره بين الخوارج على النحو المذكور، أخذ يتفاقم شيئا فشيئا إلى أن بلغ ذروته على أيدى الأزارقة والنجدات والصفرية ومن على شاكلتهم من فرق الخوارج. ففى أثناء إمارة زياد بن أبيه على العراق (45 - 53 هـ) خرج قريب وزحاف على رأس سبعين رجلا، فأخذوا يعيثون في الأرض فسادا، ويمرون على المساجد ويقتلون من يصادفونه فيها. يقول خليفة ابن خياط (1): "فأتوا بني ضبيعة وهم في مسجدهم، فقتلوا رجلا منهم يقال له: رؤبة بن المخبل فقتلوه ثم أتوا مسجد بني قطيعة .. ومالوا على أهل المسجد يقتلونهم، فوثب القوم الجدر وسعوا إلى الأبواب، وصعد رجل المنارة فجعل ينادي يا خيل الله اركبي، فصعدوا إليه فقتلوه حتى لم يبق في المسجد إلا قتيل، وهرب من هرب، وخرجوا يحكمون في السكة (2) .. ومضوا، وأقبل رجل من الحى فى يده السيف نحوهم، فناداه بعض من أشرف عليه من ظهر البيوت: يا فلان اتق الحرورية، فقال رجل منهم: لسنا الحرورية ولكنا الحرس، فأمن الرجل فقاموا حتى انتهوا إليه فقتلوه، ومضوا حتى دخلوا مسجد المعاول بطن من (الأزد فقتلوا من فيه، ثم مضوا حتى خرجوا إلى رحبة بني على، فخرج عليهم بنو على، وكانوا رماة بالنبل حتى صرعوهم أجمعين".
وكان زياد في أثناء هذه الحوادث غائبا بالكوفة، فلما عاد إلى البصرة وعلم بما فعله الخوارج غضب أشد الغضب، وقال مخاطبا من حضره من أهلها: لولا أنكم قد أصبتم فى القوم لبعثت بكم إلى السجن (3)
هذا وكان خروج قريب وزحاف بالبصرة في حياة أبى بلال مرداس. وقد أورد
(1) تاريخ خليفة بن خياط، ص 219 - 220.
(2) أي خرجوا إلى الشارع يرددون شعار الخوارج "لاحكم إلا الله"
(3) تاريخ خليفة بن خياط، ص 221.
-238 -