نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٣٠على أن فريقا آخر من جيش على أظهر اعتراضه على مبدأ التحكيم، ولما تليت
الوثيقة التي كتبت ليجرى التحكيم على مقتضاها اشتدت معارضة هذا الفريق، لأن عليا رضى أن يكتب اسمه فيها مجردا من لقب "أمير" "المؤمنين"، وفى رأيهم أنه لا يجوز تحكيم الرجال في أمر من الأمور التي بين الله فيها حكمه، يقصدون من ذلك أن الله تعالى أعطى حكمه في إمامة على على المسلمين، وفي كل إمامة بويع صاحبها مثله بيعة شرعية من قبل الأمة، وليس بعد حكم الله حكم آخر، وبناء على ذلك ينبغي أن يلغى التحكيم من وجهة نظرهم، لأنه لا حكم إلا الله
وتفسير وجهة نظر هذا الفريق المعارض للتحكيم هى أن عليا كان إماما بويع بيعة صحيحة، فمن امتنع عن بيعته وحاربه يكون مرتكبا جريمة البغى، وحيث أن معاوية وأنصاره بغوا على الإمام العدل وحاربوا الله ورسوله، فيكون لهم حد مقرر في القرآن استنادا إلى قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله (1)، فمادام هؤلاء لم يفيئوا إلى أمر الله، فليس لهم إلا القتل (2)، وهذا الحد المقرر لا معنى للتحكيم فيه، لأنه إن قضى بخلافه يكون تغييرا لأمر شرعى، وتحكيم للرجال فيما لا حكم فيه إلا الله، وعلى بذلك من وجهة نظرهم - لم يحكم بما أنزل الله، ولذا فهو – إن لم يتراجع - ينطبق عليه قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (3) وبالتالى لا يصلح أن يكون خليفة، ويحل لهم مقاتلته هو وأنصاره مثلما يقاتلون معاوية وأنصاره على حد سواء.
ويرد ابن حزم (4) على من أنكروا التحكيم بقوله: إن عليا لم يحكم رجلا في دين الله وحاشاه من ذلك، وإنما هو قد حكم كلام الله عزّ وجلّ بعد أن اتفق الفريقان على
(1) سورة الحجرات آية /9
(2) الشماخي: السيرة، ج 1 ص 49
(3) سورة المائدة آية / 44.
(4) الفصل، حـ. 156.
- YA-