نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٣٤عما يرونه بالنسبة لبيعة على من شبهة، لأن قتلة عثمان هم أول من بايعوه، كما أن بعض الصحابة لم يبايعوه.
ولما قررت الطائفتان المذكورتان أن تحارب إحداهما الأخرى كانت كل منهما تعتقد أن الحق معها، أو يغلب ذلك على ظنها، وكان الأمر يتطلب طرفا ثالثا يحكم بمدى صحة دعوى كل منهما
على أنه من الملاحظ أنه لم يوجد وقتذاك طرف ثالث قوى من المؤمنين، يستطيع أن يصلح بين طائفتى على ومعاوية، ويقاتل من تبغى منهما على الأخرى حتى تفى إلى أمر الله، لأن الجماعة الإسلامية كلها وقتذاك انقسمت إلى هاتين الطائفتين المذكورتين، باستثناء قلة ضئيلة رأت صلاح دينها فى عدم الانضمام لأى منهما. علما بأن الجماعة الإسلامية فى هذا الوقت المبكر من التاريخ الإسلامى كانت مؤلفة تقريبا من القبائل العربية فحسب، لأن الإسلام لم يكن قد اعتنقه حينذاك إلا قلة لاتكاد تذكر من أهل البلاد المفتوحة، وما جاء في المصادر التي تناولت أحداث الفتنة في عهد عثمان من عبارات مثل: أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل مصر، يعنى بهم العرب الذين سكنوا هذه الأمصار بعد الفتح، ونذكر هذه الحقيقة حتى لايظن أحد أنه كان بإمكان المسلمين في هذه البلاد أن يقوموا بإجراء الصلح بين جند على وجند معاوية، وإجبار من يبغى منهم على أن يفى إلى أمر الله
ومادام الأمر كذلك، أى لم يتواجد طرف ثالث له القوة والهيمنة على النحو المذكور، فإن أى إصلاح منشود بين جند على وجند معاوية لا يمكن أن يتم إلا إذا صدرت الدعوة إليه من أحد الطرفين ووافق عليها الطرف الآخر، وهذا ماحدث بالفعل، إذا عرض جند معاوية تحكيم كتاب الله فى النزاع بينهما وبين جند على، ووافقت الأغلبية (1) في جند على على التحكيم، فى محاولة لوقف نزيف الدم بين المسلمين وحقنا
(1) أشار المسعودى مروج الذهب، ج 2، ص (677 إلى موافقة الأغلبية في جيش على بقوله: فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا وسمعنا وأطعنا"
-32 -