نشأة الحركة الإباضية في البصرة محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الحركة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ٣٥

لهذه الدماه، وإذا كانت قلة من جند على نظرت إلى دعوة التحكيم باعتبارها خدعة وأبدت عدم موافقتها عليه، فإن العبرة برأى الأغلبية الذى كان يحتم على هذه القلة أن تنصاع له عملا بمبادئ الإسلام، إذا الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على رأى الأغلبية فى غزوة أحد فواجه العدو المهاجم من خارج يثرب وليس من داخلها، مع أن ذلك كان يتعارض مع رأيه الشخصى. ومعنى ذلك أن الدعوة إلى التحكيم وموافقة على عليها لم تكن تتعارض مع شريعة الإسلام.

الله

أما القول بأن الطائفة الباغية لها حد مقرر فى القرآن، وهو قتالها حتى تفئ إلى أمر

، فهذا صحيح، لكن كون معاوية وجنده بغاة، فذلك شيئ يحتاج إلى النظر

،

والتثبت، فإن ادعى أن له شبها في موقف على، منها إمامته أهى منعقدة أم لم تنعقد فهذا يصح فيه التحكيم، وليس تحكيما للرجال في دين الله، وإنما هو تحكيم في صحة وصف ينبني عليه حكم، فإن القاضى الذى ترفع إليه قضية سرقة لا يطلب منه الاجتهاد في أن السارق تقطع يده أو لا تقطع، وإنما يطلب منه الاجتهاد في معرفة أهذا سارق أم غير سارق، فإذا ثبت له الصفة وجب عليه حتما أن يحكم بقطع اليد. فإن قالوا: بأن التحكيم من على شك فى إمامته، والمتشكك لا يجوز أن يسفك الدماء للمطالبة بأمر مشكوك في صحته، كان هذا باطلا أيضا، لأن صاحب الحق كثيرا مايتأكد أن الحق معه، فإذا مارأى من خصمه إنكارا أو تمسكا بشبه، فإنه لا طريق أمامه إلا أن يرفع الأمر لقاض أو محكمين يكون حكمهم قاطعا لنزاع خصمه (1)

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اتفق مع مندوب قريش سهيل بن عمرو أملي

على شروط الصلح فى الحديبية سنة 6 هـ، وأراد أن يسجل هذه الشروط كتابة، على على بن أبي طالب أن يكتب: هذا ماقاضى عليه محمد رسول الله. فاعترض سهيل على ذلك بقوله: لو علمنا أنك سول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال: اللهم إنك تعلم أنى رسولك، وأمر عليا أن يمحو عبارة "رسول الله"،

(1) الخضرى: تاريخ الأمم الإسلامية، ج 1، ص 70 - 71.

----