نشأة الحركة الإباضية في البصرة محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الحركة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ٥٢

ومن المعروف أن معاوية طمع فى الاستحواذ على البصرة وضمها إليه بعد فشل التحكيم في سنة 38 هـ، على أساس أن كثيرا من أهلها كانوا عثمانية، لذلك سير عبدالله بن الحضرمى إليها وحمله كتابا إلى أهلها يذكرهم فيه بآثار عثمان فيهم، وحبه العافية، وسده الثغور، ويذكر قتله ويدعوهم إلى الطلب بدمه، ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة، ويعطيهم عطاءين في السنة بدلا من عطاء واحد. وقد استجاب بعض أهل البصرة لابن الحضر مى بينما أظهر البعض الآخر معارضتهم له. أما الأحنف بن قيس فقد وقف على الحياد واعتزل الفريقين، وقال بعد أن فرغ ابن الحضرمي من تلاوة كتاب معاوية: " لاناقتي في هذا ولا جملي (1)

عن

وهكذا يتضح لنا أن الأحنف بن قيس لم يتصدّ لابن الحضرمي، كما أنه – فيما يبدو - دخل في طاعة معاوية، مثلما فعل أهل العراق، بعد أن تنازل له الحسن بن على الخلافة سنة 41 هـ. والدليل على ذلك أن الأحنف كان ضمن وفد البصرة الذى مثل بين يدى معاوية سنة 56 هـ لأخذ رأيه فى البيعة لابنه يزيد بالخلافة من بعده، ويفهم مما قاله الأحنف حينذاك أنه كان يقر بإمرة المؤمنين لمعاوية، فضلا عن السمع له والطاعة. يقول ابن الأثير (2): وتكلم من حضر من الوفود فقال معاوية للأحنف: ماتقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إذا صدقنا، ونخاف الله إذا كذبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد فى ليله ونهاره، وسره وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه تعالى وللأمه رضا فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: "سمعنا وأطعنا"

الله

:

ويظهر من القول المذكور للأحنف فى حضرة معاوية أنه لم يكن راضيا عن إسناد الخلافة ليزيد بعد أبيه، فمن يا ترى ذلك الشخص الجدير بها من وجهة نظر الأحنف؟ تتحدد الإجابة على هذا التساؤل بما ذكره صاحب الإمامة والسياسة (3) الذي أورد نفس

(1) ابن الأثير · الكامل فى التاريخ، جـ 3، ص 332

(2) نفسه، ج 3 ص 352.

(3) ج 1، ص 171) هذا الكتاب منسوب لابن قتيبة).