نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٥٣رواية ابن الأثير المذكورة تقريبا مع شيء من الزيادة يقول فيها: " … فلا تزوده الدنيا وأنت صائر للآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيدا على الحسن والحسين، وأنت تعلم من هما وإلى ماهما، إنما علينا أن نقول: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". وإذا صح هذا الذي ذكره صاحب الإمامة والسياسة من أن الأحنف كان لا يقدم أحدا على الحسن والحسين في تولى الخلافة بعد معاوية، فإنه يكون بذلك لم يتخلّ عن ولائه لعلى بن أبي طالب وأولاده، ولئن كانت نفسه قد تأثرت مثل الكثيرين غيره من أنصار على بسبب هلاك ذوى قرباهم في معركة النهروان، مما حملهم على التسلل من المعسكر الذي أقامه على بالنخيلة على النحو السابق ذكره، إلا أن هذا التأثر كان مؤقتا، إذ لم يلبث أنصار على أن تجمعوا حوله مرة أخرى بتأثير خطبه، ولما قتل فجأة، انضوى هؤلاء تحت لواء ابنه الحسن، ولما تنازل الحسن لمعاوية عن الخلافة سنة 41 هـ بايع أنصاره معاوية على مضد ومن هؤلاء الأحنف بن قيس
وبصرف النظر عن صحة ماقيل عن تخلى الأحنف عن على بن أبي طالب بعد معركة النهروان أو عدم صحته، فإن الشيء المؤكد هو أنه لم يمل إلى رأى المحكمة ولا وافق على مسلكهم وخطتهم، بدليل أنه كان يقر لمعاوية بإمرة المؤمنين، وأنه رغم كراهته لتولى يزيد الخلافة من بعده، أعلن على الملأ أنه لن يسعه إلا الإقرار بالسمع والطاعة، في حالة إصرار والده على إسناد الخلافة له من بعده. ولو أن الأحنف مال حقا إلى رأى الخوارج، مافعل ذلك بحال من الأحوال، خاصة وأنه لم يكن تنقصه الشجاعة لإبداء الرأى على النحو المشار إليه. ولعل في موقف عبدالله بن إباض، وهو من المحكمة البارزين، دلالة على صحة الرأى القائل بأن الأحنف لم يمل إلى المحكمة لأن ابن إباض افتتح رسالته المشهورة للخليفة الأموى عبدالملك بن مروان بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان، أما بعد: سلام عليك (1) … " أى أنه لم يقر له بإمرة المؤمنين، بل وقدم اسمه على اسم عبدالملك، كما قال ابن إباض في رسالته المشار إليها:" … ولا تسأل عن معاوية وعن صناعته غيرى،
(1) انظر: سالم بن حمود السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء، ص 95 – 96.
-01 -