نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٥٥ابن الزبير مشى فى جنازة الأحنف لما توفى سنة 67 هـ فقال (أى خليفات): "إن مصعب بن الزبير كان يحترم زعماء القعدة من الخوارج ويمشي في جنازة من يموت منهم". إلا أن الأحنف كان من أنصار ابن الزبير على النحو المشار إليه، كما لم يظهر أية تبعية للخوارج، وهى حقيقة أشار إليها الباحث المذكور نفسه (1). هذا فضلا أن عن جل اهتمام الأحنف بن قيس فى أخريات حياته، كان منصرفا إلى التوفيق بين القبائل المختلفة التي تقطن البصرة، وحملها على تناسى الأحقاد وتضافر جهود رجالها بقدر المستطاع على الوقوف أمام عدوها المشترك "الخوارج" وكانت أمنيته هي القيام بعمل حاسم ضد هذه الفرقة (2)
ذهب البعض (3) إلى القول بأن الحماية التى أسبغها الأحنف بن قيس على مرداس ابن حدير وأصحابه، كانت من بين الأسباب التي مكنته من نشر دعوته بين الكثيرين بالبصرة في مأمن من بطش الوالى الأموى. لكن الحقيقة أن سياسة الدولة الأموية في بداية عهدها نحو الخوارج المعتدلين، وليست الحماية المشار إليها من جانب الأحنف، هي التي كفلت لمرداس وأصحابه السلامة والأمان، إذ كان الأمويون يتساهلون وقتذاك منهم، بل يخطبون ودهم أحيانا، حتى يتفرغوا لقتال المتطرفين من الخوارج، مع المعتدلين
أولئك الذين كانوا يستعرضون الناس ويغيرون على القرى لسفك دماء مخالفيهم وإشاعة الهلع والفزع بين ظهرانيهم. وليس أدل على ذلك من أن رجلا على رأى الخوارج مثل ذات يوم بين يدى الوالى الأموى زياد بن أبيه فأراد أن يعاقبه، فقال له الرجل: "إنك قد قلت قولا فصدقه بفعلك، وكان من قولك: ومن قعد عنا لم نهجه، فقعدت. فأمر (زياد) له بصلة وكسوة وحملان (4). كما بلغ زياد عن رجل يكنى بأبي الخير، من أهل
(1) نشأة الحركة الإباضية، ص 65
(2) دائرة المعارف الإسلامية، جـ 1، ص 507.
(3) عوض خليفات: المرجع السابق نفسه، ص 66، وصالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر ابن
زيد، ص 138.
(4) المبرد: الكامل فى الأدب، جـ 3، ص 146.
- or-