نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٥٦البأس والنجده، أنه يرى رأى الخوارج، فدعاه فولاه بلدة بالأهواز اسمها "جندى سابور" وما يليها؛ ورزقه أربعة آلاف درهم فى كل شهر، وجعل عطاءه السنوى مائة ألف فكان أبو الخير هذا يقول "مارأيت شيئا خيرا من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر
الجماعة " (1)
ويتضح مما ذكرناه ان الذى كفل الأمان لمرداس وأصحابه طول عهد زياد (45 -
53 هـ)، ليست حماية الأحنف وقبيلته لهم، وإنما هو سياسة الوالى المذكور مع المعتدلين أمثالهم، أولئك الذين تحاشوا التعرض له بالنقد والتجريح وإثارة الناس ضده. خاصة وأنه يفهم مما ذكره الطبرى (2) أن الوالى المذكور وعد مرداسا وعدا صريحا بأنه لن يتعرض ولأصحابه بأى طالما التزموا الهدوء والسكينة
سوء
هي
له
أما المتطرفون من الخوارج فقد اتبع معهم زياد أقسى وسائل القمع والنكال، كما توعد كل قبيلة مقيمة بالبصرة بإجلاتها وحرمانها من العطاء ان تقاعست عن قتال من ينضم من أبنائها إلى الخوارج. فيروى الطبرى (3) أن زياداً كان يقول: "إن أى خارجة خرجت من قبيلة فلم تقاتلها، حرمتها العطاء وأجليتها". ويذكر المبرد (4) أن قبائل مزينة وغيرها اجتمعت ذات يوم على بعض الخوارج الذين ظهروا بالبصرة فقتلوهم عن آخرهم، ثم ذهبوا لمقابلة زياد، فقال لهم: لولا أنكم أطفأتم هذه النار لقلت أنكم الذين اشعلتموها. فكانت القبائل اذا أحست بخارجية فيهم شدتهم وأتت بهم زيادا ويعلق المبرد (5) على هذا الموقف من جانب زياد بقوله: فكان هذا أحد ما ذكر من صحه تدبيره، وله أخرى في الخوارج، وهى أنهم حين أخرجوا معهم امرأة ظفر بها قتلها ثم عراها فلم تخرج النساء بعد على زياد، وكن إذا دعين إلى الخروج قلن: لولا التعرية لسارعنا
(1) المبرد: الكامل في الأدب، جـ 3 ص 146. (2) تاريخ الأمم والملوك، جـ 3، ص 221.
(3) نفسه ص 238
(4) نفسه ص 136.
(5) نفسه، ص 137.
- 54 -