نشأة الحركة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ٦٠طلبهم وملأ بهم سجنه، بل وأخذ الناس بسببهم، فحبس مرداس بن حدير وأصحابه (1)، وذلك على الرغم من أنهم كانوا يتبرعون من كل من يستعرض الناس ويسفك دماءهم، أمثال قريب وزحاف وطواف وغيرهم. على أن ابن زياد لم يلبث أن أطلق سراح مرداس فى الوقت الذى أمر فيه بقتل جميع أصحابه، وكان السبب في إطلاق سراحه هو ماقيل من أن السجان تشفع فيه لدى ابن زياد فوهبه له وخلى سبيله، وكان هذا السجان ظئرا للوالى المذكور، وأعجب بصلاح مرداس وحلاوة منطقه اجتهاده في العبادة (2). ولما سئل ابن زياد عن الحكمة في تنكيله بمعتدلى الخوارج على هذا النحو، أجاب بأنه يتحاشى الشر قبل وقوعه، ويقمع النفاق قبل أن ينجم (3)
وشدة
كان من الطبيعي ألا يأمن مرداس على نفسه من ابن زياد بعد أن رآه ينكل بأصحابه، وقد تأثرت نفسيته كثيرا بما فعله الوالى المذكور بإحدى النساء التي كانت على رأيه واسمها "البلجاء"، وهى امرأة من بني يربوع كانت تحرض الناس على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكانت من المجتهدات فى العبادة، وعلم مرداس أن ابن زياد يضمر الفتك بها، ولذلك بادر إلى تحذيرها ونصحها بالتقية قائلا: "إن الله قد وسع على المؤمنين فى التقية فاستترى، فإن هذا المسرف على نفسه أى ابن زياد)، الجبار العنيد، قد ذكرك (4) " لكن البلجاء خشيت أن يفتك ابن زياد بمن يمتنع عن تقديم المعلومات عنها أو يساعدها على الاختفاء، وعبرت عن ذلك لمرداس بقولها:"أخشى أن يلقى أحد مكروها" ولم يلبث ابن زياد أن وجه إليها من أحضرها بين يديه، بسببي فقطع يديها ورجليها ورمى بها فى السوق، فمر مرداس بالسوق، والناس مجتمعون، فقال: ماهذا؟ فقالوا: البلجاء، فعض على لحيته وقال: لهذه أطيب نفسا بالموت منك يا
مرداس؟ ماميتة أموتها أحب الى من ميتة البلجاء (5)
(1) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ، جـ 3 ص 360
(2) المبرد: الكامل ى الأدب، جـ 3 ص 138، وابن الأثير: نفسه، ص 360 - 361.
(3) المبرد: نفسه، والطبرى: تاريخ الأمم حه ص 313
(4) ابن الأثير: نفسه.
(5) المبرد: نفسه
-01 -