نشأة الحركة الإباضية في البصرة محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الحركة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ٦١

ضاق مرداس بن حدير ذرعا بما لقيه أصحابه من بطش ابن زياد و نكاله، ولم يستبعد أن تمتد إليه يد البطش من قبل الوالى المذكور، ولذا قرر الخروج من البصرة عله يجد مقاما أكثر أمانا وأنسب لنشر مبادئه، وحث أصحابه على الخروج معه بقوله: "إن الإقامة على الرضا بالجور، وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم، ولكن نسير في أرض الله ولا نجرد سيفا، وإن أرادنا قوم بظلم امتنعنا منهم (1)

استجاب المرداس أربعون رجلا من أصحابه، فخرج بهم حتى استقر بهم المقام في بلدة "آسك (2) وفى طريقه إليها قابله صديق له ونصحه بالعودة إلى البصرة وعدم الخروج، مخافة أن يفتك به رجال ابن زياد وأصحابه. فقال له مرداس: لا تخف فإني لا أجرد سيفا، ولا أخيف أحدا، ولا أقاتل إلا من قاتلني (3)

تابع مرداس وأصحابه السير حتى بلغوا بلدة "آسك" وصادفوا في طريقهم مالا محمولا لابن زياد، وكان في استطاعتهم أن يستحوذوا عليه كله، لكن مرداس بن حدير قرر ألا يأخذ منه إلا عطاءه وعطاء أصحابه ورد الباقى (4)، ولما استفسر أحدهم عن السبب في ترك بقية هذا المال، أجابه مرداس بقوله: " إنهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة، فلا نقاتلهم (5). كما كان مرداس يقول لمن يقابله: "أبلغوا من لقيكم انا لم تخرج لنفسد فى الأرض، ولا لنروع أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا (6). وعلى الرغم من ذلك فإن ابن زياد لم يترك مرداسا وشأنه، لأنه خشى أن يبث دعوته في تلك الناحية التي نزل بها مع أصحابه، فسير إليهم ألفى مقاتل يقودهم رجل يدعى أسلم بن زرعة. وتشير بعض

(1) الشماخي: السير، ج 1 ص 62.

(2) بلدة بنواحي الأهواز بالقرب من أرجلان ياقوت: معجم البلدان، ج 1 ص 61).

(3) المبرد: الكامل في الأدب، ج 3، ص 139.

(4) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ، جـ 3 ص 361

(5) المبرد: نفسه، ص 139

(6) المبرد: نفسه، ص 140.

140

-09 -