المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد
الجزء ١ · صفحة ١٢مخطئاً، وطعن على الصحابة أنهم لم يقيموا الحجة الله عزّ وجلَّ بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث والأخبار في عصر
غير الصحابة مع الاحتلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة لما ذكرنا، ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتباع لهم فيما لا
دليل على التفرقة بين أعدل الأقاويل في باب الشرع، وما كان طريقه طريق الاجتهاد، واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيمـ لا علم لهم بصوابه، وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في الدين، والله أعلم))). وهذه الرؤية الأصولية كان يمكن أن تتطور لصالح الاستنباط ونبذ التقليد، إلا أنها بمرور الزمن تحولت إلى العكس، فقد ضيقت الاستنباط، وحرمت على الناس الرأي والنظر، وأوجبت عليهم التقليد.
على أنه يلزم التفريق في حق الصحابة بين نقلهم الشريعة، وهذا واقع مشهود بسلامته، خاصة أن الله تعالى ذكر في محكم التنزيل بأنه هو بنفسه قد حفظ نصوص الشرع، عندما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) الحجر:9، ولم تكن هذه
الخاصية محصورة في الصحابة، بل هي شاملة جميع المسلمين عبر أدهرهم، ولا أبالغ عندما أقول بأن كثير من البشرية داخلة في تسخير الله لها بحفظ هذه الشريعة، بحيث يستحيل أي تحريف محتمل للكتاب العزيز فيما هو قادم من مستقبل الدهر، وبذلك وبحفظ الله نجى القرآن الكريم من التحريف والتبديل. أما من حيث الرأي والاستدلال والعمل فقد جرى على الصحابة ما يجري على غيرهم، حيث أدى بهم الأمر إلى الاقتتال والصراع والافتراق، وما تعيشه الأمة الآن مرتكزه ما حصل في تلك الأعصر.
وعلينا أن نفرز الأمر بين احترام الصحابة وتقديرهم وإجلالهم لنصرتهم النبي الكريم، وعلى عواتقهم قام الدين، وضحوا بأنفسهم وأموالهم لنصرته، وبين تقليدهم في الآراء، فاحترامهم واجب والتطاول عليهم بالسب والطعن مرفوض، إلا أنه كذلك هم وجميع الناس مأمورون بالرجوع إلى الكتاب العزيز وسنة النبي الكريم. وليأكد ابن بركة على نظريته بجواز تقليد الصحابة، والتي تطورت بعد ذلك إلى
وجوب تقليدهم، استدل بقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) النساء: 115، وهذه الآية الشريفة لا تدل على جواز تقليد الصحابة فضلاً عن وجوبه، وإنما تدل على حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين، وسبيل المؤمنين هو اتباع الله ورسوله، وهو مع ذلك اتباع نيط بالعقل، والدليل على ذلك أيضاً أن الآية ورادة في حرمة مشاققة الرسول من بعد ما تبين له الهدى الذي جاءه من الله حيث يقول تعالي: ((وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) النساء:115، فسبيل المؤمنين هو عدم مشاققة الرسول، واتباعه فيما جاء به من عند ربه، وليس تقليد الصحابة.
التقليد وآيتا الاستنباط والتفقه
ابن بركة؛ الجامع، ج 1 ص 22.
12