الفقه الإسلامي في عالم متغير: المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد (بحث ندوة) مجموعة مؤلفين

المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد

الجزء ١ · صفحة ١٣

استدل الكثيرون على وجوب التقليد بقوله تعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا)) النساء:83،

وقد تقدم أن مصطلح الاستنباط هو الأولى استعماله في منظومتنا الفقهية والأصولية، لاستعمال القرآن له، ولأنه غير محمل بالمثبطات اللغوية والتأريخية،

بيد أن هذا لا يعني حصر الاستنباط في طائفة محددة اقتطاعاً للمعنى من قوله تعالى: (وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ))، بل ينبغي العمل على فشوه بين الناس عامة، ووضع المناهج الجديرة بتأهيلهم على ذلك، والمقصود هنا من الآية هو أنه عندما تقع الأمة في أمر يتعلق بأمنها وخوفها، فعلينا أن لا نشيعه بين الناس، وإنما نرجعه إلى المختصين للتحقق منه وتقدير طبيعته واتخاذ القرارات العلمية بشأنه، لأن ما يتعلق بأمن الأمة لابد أن يرجع فيه إلى أولي الأمر منها، وهذا ليس هو فهم الدين وتدبره والعمل بمقتضاه، والذي هو واجب كل مسلم، على أن "استنبط" جاء على وزن استفعل بمعنى طلب الفعل كاستضاف طلب الضيافة، فالمستنبط هو من يطلب "النبط" أي التفسير، فمن يرجع إلى الرسول وأولي الأمر يعلم الحكم، والعلم بعيد عن التقليد ومجانف له.

ومن الآيات التي استند إليه بعض الفقهاء في القول بالتقليد قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) التوبة: 122، وهذه الآية تدل على عكس ما

يراه هؤلاء، هي تبيّن أن على الناس أثناء الحروب أن لا يشتغل جميعهم بها ويتركوا العلم، حيث كان المجمتع عند العرب في ذلك الوقت، وإلى وقت زمن من

الآن، ينفر جميع رجاله، بل وربما بعض نسائه للمشاركة في الحروب، فجاء التوجيه الرباني بأن على أفراق المجتمع أن تختار منها طوائف تواصل تفقهها في الدين، ولينذروا أيضاً قومهم بما يحصل في المجتمع من تغيرات لعلهم يحذرون فالمجتمع المسلم هو مجتمع العلم والتعلم والفقه والتفقه، وعليه أن لا يترك هذا الأمر

حتى في أحلك الظروف عندما تقوم المعارك، إلا أن هذا المفهوم غاب عن جلٌ المسلمين، وحل محله التقليد والاتباع لطوائف من الناس، أصبحت تعتقد يقيناً وتعمل بذلك بأن الكتاب العزيز لا يُذْهَب إليه مباشرة، وإنما عبر وساطة بشرية، وصرح بعضهم بأن لا خير في كتاب وسنة إلا بفهم السلف، وهذه العبارة التي يستشنعها المسلم بحسه الإيماني، عندما ننظر ترجمتها على أرض الواقع نجدها مطبقة عملاً الأمة الإسلامية، بل زيد عليها (وفهم الخلف أيضاً).

لدى عموم

معالم الخط الفقهي في المدارس الفقهية العمانية لم يعرف الإباضية على طول خطهم الفقهي ما سمي بغلق "باب الاجتهاد"، وهي حالة تعبر عن الانسداد في الاستنباط الفقهي، بل تكشف عن انفصام حقيقي بين المسلمين والإرشادات القرآنية، وقد وجد لدى الإباضية مصطلحات وتأصيلات لو سار الفقه عليها لقدم رؤية ناضجة وعملاً فاعلاً في التطور الفقهي لدى المسلمين،

لكنها ظلت مغمورة، وانتهى الحال بالإباضية ليؤكدوا على شرعية وجودهم بين

13

15