المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد
الجزء ١ · صفحة ١٨الفصل بين المعتقد والعمل التي قامت عليه نظرية الإرجاء في الفكر الإسلامي، فجعلت العمل أقل شأناً من الحديث في جملة التوحيد ومستلزماتها، ورأت أن الإنسان عموماً هو ناج بطريقة أو أخرى من العذاب إذا سلم له أمر التوحيد وإن ارتكب المعاصي ووقع في المخالفات الشرعية العملية، وقد ظهر هذا الربط بين علم الكلام وأصول الفقه عند أبي بكر أحمد بن عبدالله الكندي في كتابه "التخصيص"، بل شمل منهجه المزج بين الفقه وأصوله وأصول الدين والسياسة الشرعية، وقد ترك الكندي أثره بعد ذلك على عبدالله بن حميد السالمي في مؤلفاته الشرعية، خاصة كتابه "مشارق أنوار العقول، إلا أن تجربة السالمي لم يُعمل على تطويرها من بعده، وإن وجدنا صداه عند بعض تلاميذه. 3. النزعة العقلية، وقد تمثلت هذه النزعة في اعتبار الرأي من أدوات الاستنباط الفقهي، ورغم العمل الأصولي الذي قدمه أبو محمد ابن بركة البهلوي في كتابه الجامع، والذي من شأنه أنه يضع قوانين وأطراً لعمل العقل، إلا أن مصطلحات أصول الفقه لم تتبلور لديه كالإجماع والقياس ونحوها بحيث تهيمن على عمل العقل، بل شهدنا لديه نزوعاً للتكليف العقلي عند غياب النص الشرعي، وانتهى بما عرف بالإلهام؛ وهو في أصله عمل لا منطقي إلا أنه عند ابن بركة أخذ منحى عقلياً منطقياً ()
4. النزعة البيانية، ويقصد بها تأثير بنية اللغة في اتخاذ الأحكام، مع توهين البعد الاجتماعي، ومن يطالع جامع ابن بركة يجد السيطرة اللغوية على استخراجه الأحكام من الأدلة الشرعية، وقد بلغ مداه عندما أخذ بالقياس اللغوي في بعض تخريجه، كما في اعتباره النكاح في الحيض والدبر، زنا، فقال: (فإن قال قائل: فما تقولون في الواطئ في الحيض؟ قيل: له نرى تصويب من قال بالتفرقة بين الزوجين
إذا اتفقا على الوطء في الحيض من طريق العمد من جهة النصرة لهم. فإن قال: وكذلك من وطئ في الدبر؟ قيل: له هما عندنا سواء في باب الحكم. فإن قال: فما وجه جواز ذلك عند من قال به؟ قيل له من قبل: إن أهل اللغة يسمون الدخول في المضيق زناً، فلما رأينا الواطئ في الدبر والحيض داخلين في المضيق عليهما علمنا أنهما قد استحقا اسم الزنا، والزاني يفرق بينه وبين زوجته على ما تقدم قولنا في أول المسألة.
فإن قال: وما الدليل على جواز قولكم؟ وأي موضع ذلك في اللغة؟ قيل له قول
الشاعر:
ولست بزان في مضيق لأنني أحب وساع العيش والخلق الرحبا
وقال آخر:
(')
وإذا قذفت إلى زنا قعرها غبراء مظلمة من الأحفار) هذه النزعة البيانية كان لها أثر إيجابي، إذ دفعت بالفقيه إلى العناية باللغة ومباحثها، كما أن اللغة مكون أساس من مكونات النص، ولا يفهم النص بحسب مراده وأبعاده إلا إذا وقف على اللغة ببعدها التأريخي، كما أن هناك أمراً حسناً آخر أدخلته النزعة
".) خميس العدوي وخالد الوهيبي؛ الإيمان بين الغيب والخرافة، ص 216 - 224.) ابن بركة البهلوي؛ الجامع، ج 1 ص 123 - 124.
18