الفقه الإسلامي في عالم متغير: المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد (بحث ندوة) مجموعة مؤلفين

المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد

الجزء ١ · صفحة ٢٠

3. النزعة الإنسانية، وقد ظهرت هذه التزعة بوضوح في موقف المدرسة النزوانية من الأحداث الواقعة بعد فتنة الإمام الصلت بن مالك وموسى بن موسي وراشد بن النظر، حيث لم تلزم الناس البراءة من موسى وابن النظر ومن كان معهم، فأخرجت الحدث من دائرة الدين إلى دائرة الرأي والرأي كما هو معلوم عمل فكري إنساني، لا يقوم عليه تبديع ولا تضليل ولا تفسيق، وقد لاحظت هذه المدرسة طبيعة الناس

في ملابستهم الحدث، ونقلهم الأخبار، فليس كل من خرج مع موسى بن موسى وراشد بن النظر، يريد أن يقوض الإمامة، فمنهم من نيته الإصلاح من شأن الدولة والأمر في كثير منه هو دعاوى، خاصة في نقل الأحداث، وبذلك خرجت الإمامة من أن تكون من مباحث قضايا الإيمان إلى دائرة، الفقه وأصبحت الإمامة تدرس في كتب الفقه، وقد ترك هذا أثره على الفقه الإباضي، حيث شهدنا بعد ذلك عدم التشدد في مسائل الفقه، وأعطى للأستنباط دفعة إلى الأمام، بحيث يمكن أن يعمل الفقيه رأيه دون أن يسلط عليه سيف البراءة بتهمة الإحداث في الدين. وقد ظهرت هذه النزعة الإنسانية أيضاً في الفقه، بأن الإنسان مكلّف وطاقته، لا بحسب علم الله ومراده، يقول أبو سعيد الكدمي فلم يتعبد الله تبارك وتعالى العباد فيما ألزمهم الكلفة بما يعلمه من المغيبات من علمه، وإنما تعبدهم بما يدركون علمه بالدلالة من غيره فيه، وبما تكون الحرمة متعلقة فيه، وغير مفارقة له من دلائله بالعين أو الصفة من المحرمات)) .. وهذه المنطقية الأصولية تختلف عن فلسفة الترجيح الأصولية التي سارت عليها المدرسة الرستاقية، والتى أثرت على الفقه الإباضي كثيراً، فرفعت مسائل كثير من

()

مكلّف بحسب

علمه

القضايا الفقهية إلى درجة مسائل الدين، وقد غلبت على النزعة الإنسانية رغم التأصيل المكثف لها في المدرسة الإباضية، وخفوت النزعة الإنسانية وغلبة الفلسفة الترجيحة في دائرة الفقه أوصل المدرسة الإباضية أخيراً إلى انسداد كبير. رغم هذا التقسيم المدرسي الذي قدمته عن كل مدرسة من المدرسيتن، إلا أنه تقسيم اعتباري، فهو تقسيم قائم بحسب العموم، أو بحسب توجه عميدي المدرستين ابن بركة البهلوي وأبي سعيد الكدمي، وإلا فإن كثيراً من فقهاء المدرستين بعد ذلك جاءت طرائق استنباطهم متداخلة، فقد كانت كتب العميدين تدرسان لدى جميع فقهاء

المدرستين، وهو ما سهّل مع مرور الأيام توحدهما على يد خميس بن سعيد الشقصي، وبذلك نشأت المدرسة الشقصية التي امتد تأثيرها طيلة دولة اليعاربة. ما قدمته المدرسة الشقصية في حقل تطور العلوم الفقهية بعمان؛ هو القضاء على الخلاف بين المدرستين الرستاقية والنزوانية والذي استمر حوالي خمسة قرون، وهذا التوحد الفكري انعكس على الواقع العماني، حيث توحدت عمان بقيادة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي تلميذ خميس بن سعيد الشقصي، وتمكن فقهاء هذه المدرسة أن يواكبوا التطورات المذهلة في العصر اليعربي، حيث انفتحت عمان على العالم الخارجي مع بداية الكشوفات الغربية ومرحلة الاستعمار الغربي، وقد تمكن الفقيه الإباضي أن يستوعب التحولات الجذرية الحاصلة في العالم، فظهرت المباني الحديثة بحسب تلك الفترة، وأدخلت أصناف جديدة إلى عمان من المحاصيل

) أبو سعيد الكدمي؛ الاستقامة، ج 3 ص 94.

20