المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد
الجزء ١ · صفحة ٢٢فقهاء كبار، منهم ابنه ناصر بن جاعد، وسعيد بن خلفان الخليلي الذي عرف لكثرة استنباطه بالمحقق.
رجعت هذه المدرسة بالفقه الإباضي إلى عهود قوته، وبدا فاعلاً ونشطاً في المجال الاجتماعي والسياسي بعمان، وقدم كبار هذه المدرسة استنباطات وتحقيقات فقهية لم يعهدها المهذب الإباضي منذ القرن الرابع الهجري، وبذلك تكون المدرسة الإباضية أسبق المدارس الإسلامية في تجديد الاستباط، إذا عرفنا أن بداية عصر النهضة لدى عموم المسلمين بدأ بجمال الدين الأفغاني المتوفى عام 1897 م، ومحمد عبده المتوفى في عام 1905 م.
إلا أن ما يؤخذ على هذه المدرسة عدم خروجها من المضيق العماني، فظلت ترفد الحقل العماني دون أن يعرف عنها خارج عمان، فضلاً أن تؤثر في عموم الحقل الإسلامي، إلا ما كان لها من امتداد في الشرق الإفريقي، فكان تطويرها في منظومة
الفقه العام محدوداً من حيث الجغرافيا، كما أن اشتغال رموز هذه المدرسة بالتصوف، وإغراقهم في العرفان اللامنطقي، جعلهم بعيدين عن مواكبة العصر
الحديث بما يحمل من تغيّرات على المستوى الفلسفي والمعرفي والمنهجي، والكشوف والاختراعات ()، الأمر الذي تمكنت منه في جزء لا بأس به مدرسة الإصلاح الذي قادها الأفغاني ومحمد عبده، وبرأيي لو لم تدخل المدرسة البونبهانية في أزمة التصوف التي اجتاحت العالم الإسلامي حينذاك، وقدمت نفسها على أنها حركة فقهية إصلاحية عقلية، لرأينا نهوضاً كبيراً وتطوراً ملموساً في الفقه الإباضي خصوصاً، والفقه الإسلامي عموماً، وهنا اختلف مع أحمد بن سعود السيابي حيث يذهب إلى أن التصوف في هذه المدرسة لم يؤثر على الجوانب الفقهية والعقدية، وأن التصوف لديهم سار مستقلاً عنهما ()، فالذي أراه أن التصوف عرقل النهوض
بالاستنباط الفقهي، إذ إن المعرفة لا يمكن فصلها إلى جوانب مستقلة لدى الفرد الواحد، فالمعرفة بمختلف أنواعها تؤثر على إنتاج الإنسان علمياً، وبرأيي أيضاً ما
يشير إليه أحمد بن سعود السيابي من استقلال مباحث التصوف لدى فقهاء هذه المدرسة، إنما يعود إلى التقسيم المدرسي الذي انتهجته العلوم الشرعية، وليس إلى عدم تأثير التصوف على الفقه، ومع ذلك وجد التداخل بين التصوف والعلوم الفقهية والكلامية كما في بعض مصنفات ناصر بن جاعد.
ومما ثبط من تقدم تطور الفقه لدى هذه المدرسة إغراق المجتمع بالتصوف والعرفان اللامنطقي، فتشكلت لدى المجتمع العماني ثقافة صوفية تبتغي التغيير بالأساليب الوهمية والخرافية، فاشتغل الناس بما يسمى بعلم الحروف والأسرار والطلسمات، فابتعد المجتمع عن حقيقة العلم، ولم يستطع في تلك الفترة أن يخرج علماء يواصلون التجديد الفقهي ويعملون على تطويره، فكان التصوف أحد المفاهيم التي ثبطت التجديد والتطور في العلوم الفقهية بعمان، بعد أن رأينا تلك النهضة التي
) وقد كان لناصر بن أبي نبهان في آخر مراحل عمره تجربة متقدمة نحو فهم منهجي منطقي. خميس بن راشد العدوي؛ مدارسة مع أحمد بن سعود السيابي، أجريت في صيف 2010 م، ونشرت في ثلاث حلقات بجريدة الفلق الإلكترونية.
22