الفقه الإسلامي في عالم متغير: المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد (بحث ندوة) مجموعة مؤلفين

المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد

الجزء ١ · صفحة ٤

مذاهب مختلفة كان منشأه اختلاف الرؤى بين الصحابة، مع ما صاحب ذلك من تدافع في المصالح، وتضارب في كيفية معالجة الأمور، فوقعت بينهم ثلاث معارك حاسمة في التأريخ الإسلامي؛ هي: الجمل وصفين والنهروان، أسفرت عن انقسام الأمة إلى ثلاث فرق سياسية كبرى؛ هي حزب معاوية بن أبي سفيان نشأت تحت ظله منظومة أهل السنة والجماعة، وشيعة على بن أبي طالب فكانت منها مذاهب الشيعة، والمحكمة التي انبثق منها الإباضية وسائر فرق الخوارج. على أن هذا الأمر يوقفنا على حقيقة أن الرؤى الفقهية في كل المدارس الإسلامية المعاصرة هي امتداد طولي لما حدث في تلك الحقبة، وكأن التأريخ الإسلامي قد توقف مع تلك اللحظة، أو كأن تلك اللحظة ترحل مع المسلمين عبر مستقبلهم، ويوقفنا أيضاً على أن الفقه متداخل إلى حد الإنصهار مع الفعل الإنسان، إلى درجة أن تتداخل الرؤى البشرية مع الفقه وكأنها تشكل نصاً آخر ملزماً للناس، يحتكم إليه في فهم النص الرباني والتوجيه النبوي.

وبكون المدرسة الفقهية الإباضية هي إحدى المكونات الثلاث للفقه الإسلامي، فإنه من الطبيعي أن يسري عليها ما يسري على غيرها من مدارس الإسلام، وقد نالت هذه المدارس قدراً لا بأس به من الدراسة والتحليل، سواء بالطرق الكلاسيكية التي سار عليها الباحثون ردحاً من الزمن، أو بالطرق الأكاديمية المعاصرة، التي ابتدأت

مع وجود الجامعات العلمية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، أو بالطرق التحليلية التي بدأت تدخل الحقل الإسلامي في الثلاثة العقود الأخيرة، إلا أن المدرسة الإباضية مع عمقها العلمي ورسوخ قدم علمائها، لم تحظ بالكثير من هذه الدراسات خاصة التحليل، فهي لا زالت تنزع منزعاً كلاسيكياً ما قبل الأكاديمي؛ إلا بعض الدراسات الأكاديمية الجادة التي افتتحها عمرو خليفة النامي بكتابه "دراسات عن الإباضية".

هذه الورقة تروم عموماً تشخيص مسار المدرسة الإباضية العمانية باختصار منذ نشأتها الأولى حتى هذا الوقت مسلطاً الضوء على المفاهيم والمصطلحات الفقهية التي لها أثر على الاستنباط والتجديد.

الفقه بين التقسيم الكلاسيكي والطرح القرآني من المفترض أن يكون الفقه وأصوله والاستنباط فيه هو امتداد للعلم القرآني والسنة النبوية، ولو رجعنا إلى هذين المصدرين العظيمين لما وجدنا أي فصل بين العلوم الشرعية والإنسانية، فالقرآن يتحدث عن الفقه بأنه الفهم؛ وهو فقه لا يطالب به فئة من المسلمين كالعلماء وحدهم، وإنما هو مطلوب من جميع الناس باختلاف أديانهم ومشاربهم، على الجميع أن ينظر إلى العلم القرآني ويستقي منه الهداية الربانية، يقول الحق ناعياً على المشركين عدم فقههم وتدبرهم)) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)) الأنعام:25، ويقول: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا)) إن أول ما أصيب به الطرح الكلاسيكي هو احتكار الفقه بكتاب الله وسنة نبيه في فئة محددة، اصطلح على تسميتهم بالفقهاء والمجتهدين، فوجد أول حاجز وأخطره بين

محمد:24.

4