المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد
الجزء ١ · صفحة ٦الناس أجمعين؛ بحيث متى ما حصل العلم الذي يقتدر به صاحبه على استنباط حكم من الأدلة الشرعية وجب عليه أن يصير إليه، لكن ما آل إليه الفقه هو أن وجدت فئة مختصة يجب أن تعتبر هي دون حقيقة العلم، فانبنت المذاهب على اتباع أئمتها، وركبت عقول الناس على وجوب اتباع هؤلاء الإئمة تقليداً، فانقسمت الأمة إلى فئة
قليلة متبوعة، وأكثرية ساحقة هي تابعة مقلدة، وانحسر العلم من بين الناس، وانصرفوا إلى حياتهم غير مبالين بما يقعون فيه من هذه الحياة الدنيا، وحدث الانفصام النكد بين الدين والحياة، واستمر هذا الأمر ردحاً من الزمن حتى جاء العصر الحديث بفلسفته ومقتضياته، وأهم ما فيه أن العلم حق لكل إنسان؛ ذكراً كان أو أنثى، فانتشر العلم وأصبح هو الأساس بعد أن كان عملة نادرة بين الناس، إلا أن
هذا العلم جاء من عند غير المسلمين يحمل رؤيتهم، ويتدثر بمذاهبهم، ويتحرك بفلسفتهم، وبدلاً أن يسارع المسلمون إلى ربط الحياة العلمية الجديدة بدينهم، بحيث
يستثمرون ذلك بتعليم أبنائهم القدرة على التعامل مع القرآن الكريم وسنة النبي الحكيم، اكتفوا بمادة "التربية الإسلامية"، التي تؤسس على الحفظ دون الفهم والوعي
بمقاصد الشرع الحنيف، بل إن بعض ما يوجد في هذه المادة في كثير من بلداننا الإسلامية؛ لو تمعن فيه الإنسان لوجده معارضاً لما جاء به الإسلام، وأضرب مثالاً على ذلك ما ذكره سلمان العودة في برنامج له بقناة " mbc" أن مدرس التربية الإسلامية دخل على طلابه، فسأله أحدهم عن كروية الأرض فقال: إن هذا كلام باطل، وهو كلام الكفار، وعلماؤنا لم يقولوا بذلك. ثم دخل على الطلاب في حصة لاحقة مدرس الجغرافيا فسأله الطلاب السؤال نفسه فأجاب بأن كروية الأرض حقيقة قائمة، وما نراه في حياتنا من آثار للعلم قائم على ذلك. فرد أحد الطلاب قائلاً: لكن مدرس التربية الإسلامية يقول عكس ذلك. فقال مدرس الجغرافيا: هو يعلمكم الدين وأنا أعلمكم العلم. يقول العودة معلقاً على هذه الحادثة: إن مدرس التربية الإسلامية لا عقل له، ومدرس الجغرافيا لا ضمير له وكلام سلمان العودة صحيح،
فقد أوصلنا الانفصام بين الحياة والدين بما أسسنا من مناهج إلى هذا الوضع (). وبدلاً أن يتربى الطالب المسلم على النهل المباشر من كتاب الله، والتعامل مع أحكام دينه، ظل التركيز قائماً على إعطائه الأحكام الجاهزة، فمنذ أن كنا نتعلم بالصفوف الإبتدائية حتى انتهينا من الدراسة الجامعية، لم نعدو مثلاً في موضوع الصلاة، من أن نلقن بأن الصلاة فرض، ودليل ذلك من القرآن كذا، ومن السنة كذا، لم يحصل ذات مرة أن وجهنا الأستاذ إلى النظر في الأدلة الموجبة للصلاة، وكيف أوجبت هذا الحكم، وما الأحكام التي يستنبطها المسلم من صلاته، وما تأريخية الصلاة في الإسلام والأديان التي قبله. لكل هذا لا نستغرب أن يتخرج المئات من طلابنا من الدراسات الشرعية ولا يصبح لهم أثر يذكر في البناء الحضاري للأمة، وربما حصل العكس؛ فشكلت بعض التصرفات باسم الدين عرقلة في حركة المجتمع، وأورثت لغة من سماتها الانغلاق والتوجس من العلم ومعطياته، ومفارقة المجتمع شعورياً.
) قناة " mbc"، برنامج حجر الزاوية، سلمان بن فهد العودة، رمضان 1430 هـ.
6