الفقه الإسلامي في عالم متغير: المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد (بحث ندوة) مجموعة مؤلفين

المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد

الجزء ١ · صفحة ٨

الجزيرة العربية، عرف أهلها بالأنباط، والأنباط اشتغلوا بالزراعة، ومنها أخذ اسمهم، فالنبط هي من النبت، أي ظهور النبات وفسره، فكأن الأمر يظهر بنفسه بغرس البذرة، ونسب إليهم الاستنباط؛ أي الاستخراج بكونه أصبح سمتهم، فنقلته اللغة إلى أي إيضاح واستخراج، كما يقال عند العرب المتأخرين: أعرب عن كذا. أي أفصح وأظهر بلسان مبين. والاستنباط عملية تلقائية يقوم بها كل من وقف على حقيقة أمر ما، فاستنباط الأحكام الشرعية أمر ميسر لكل مسلم إذا ما عاش مع كتاب الله تأملاً وتدبراً وتفقهاً، فالله تعالى قد يسر القرآن للذكر حيث قال: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) القمر: 17، والعمل بمقتضى القرآن هو أصل من أصول هذا الذكر، يجب أن يسلكه جميع الناس، فاستئثار طائفة باستخراج الأحكام من كتاب الله؛ يلقي في النفوس أن هذا الكتاب غير ميسر للجميع، مما يضع المسلمين في حرج من القرب من كتاب ربهم، وملامسة عقولهم هدايته وبيانه، والله نص في كتابه بأنه لا حرج في الدين، فقال: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ((الحج: 78، وأية شهادة يمكن أن تتحقق لهذه الأمة إذا حيل بينها وبين كتاب ربها، كيف لها أن تكون شهيدة وقد أوقع في روعها أنها لا تسطيع أن تأخذ أحكام دينها من كتاب ربها إلا بواسطة طائفة. إن الاستنباط وتطوره لا ينشأ من فراغ، ولا ينبت في أرض يباب، بل الناس هم مادته، ولذلك على المسلمين أن يرتفع الحرج من نفوسهم، ويزول القلق منها، ويتجهوا إلى بناء مناهج جديدة، تكون فلسفتها رجوع الناس حقيقة إلى كتاب الله،

يعيشون معه بقلوبهم فتتهذب نفوسهم، ويتدبرونه بعقولهم فتصلح حياتهم، حينها يمكن أن نرى تطوراً سليماً في الفقه و علومه والدين لم يأت ليظل حبيس الكتب، فمن آفة الفهم إن ظننا أن مقدار الأسفار التي نحبرها باسم الفقه والاجتهاد وتطويره هو النهضة الحقيقية في الأمة، وهو المبتغى من دراسة الفقه وأصوله، بينما جماهير الناس في معزل عن الشرائع الإلهية والأحكام الدينية، وأن غاية جهدها أن تسأل عن مسألة هنا هذا العالم، وأخرى هناك ذلك الفقيه.

الاستنباط والاستخراج والتأمل والتدبر والتعلم؛ كلها مصطلحات سهلة، تقرب الإنسان من أحكام كتاب الله، إلا أن الفقه لم يَمُل إلى استعمالها في منظومته، بل إنه لم يعترف بها ضمن مصطلحاته وتأصيلاته؛ إلا في لغته العامة كسائر كلمات اللغة،

بينما اختار مصطلح الاجتهاد؛ والذي من إيحاءاته الإجهاد والتعب والمشقة، ف الاجتهاد على وزن افتعال من الجهد بضم الجيم وفتحها بمعنى الطاقة، والتاء فيه للمبالغة، كما أن الفقهاء والأصوليين شددوا في تعريفهم الاجتهاد على هذا المعنى، فجعلوا بذلك أحكام الكتاب الميسر كأنها جبال لا تطال أو صخور صلاد لا تلين، فقد قالوا: (المفهوم الشامل للكلمة يتلخص في أن الاجتهاد استعمال القدرة الحادثة في تحصيل أمر على وجه يشق يقال: اجتهد فحمل الصخرة، ولا يقال اجتهد فحمل الذرة، وهو بالنسبة للإنسان هو بذل أقصى ما في طاقته البدنية والعقلية

) إبراهيم بن أحمد الكندي؛ الاجتهاد حقيقته ومصادره من أعمال ندوة الاجتهاد في الإسلام، ص 101.