المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد
الجزء ١ · صفحة ٩في العمل الذي يباشره للغاية المنشودة له، مادية أو فكرية، ولعل أعم مفهوم لغوي للاجتهاد هو استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إداركه، حيث يرجى نواله، أو يتيقن الوصول إليه) ("
إن هذا التأسيس اللغوي الذي شاع عن الاجتهاد قطع الطريق أمام أي محاولة تبتغي
الوصول إلى معاني الدين السمحة، إلا عبر تنكب الصعاب واقتحام البيداء وقطع النفس في المفازات، فكيف بعد ذلك يراد أن يتطور الفقه، وكيف للعلاقة بين الدين والإنسان أن تأخذ مجراها وتصل إلى مبتغاها، وقد خص بإنشائها طائفة يرون في الوصول إلى أحكام الإسلام طريقاً شسع خطوه وتخللته الوهاد، لا يقدر على تذليله إلا هم، ولا يحسن تمهيده إلا من خلال آلاتهم، كما أن هذا التأسيس البياني هو دمغ للتأسيس القرآني، القائم على اليسر بحيث جاء مراعياً أفهام معظم العقول، ومناسباً
لأبسط البيئات، وناهضاً بكل المجتمعات، وتفصيلاً لكل شيء.
وللعلم أن القرآن الذي استعمل مصطلح الاستنباط في موضع كشف حكم من الأحكام، لم يستعمل الاجتهاد بهذا المعنى، ولذلك دفعاً بالعلوم الفقهية نحو التطور الحقيقي المنشود أرى العودة إلى المصطلح القرآني، خاصة بعد أن أصبح مصطلح الاجتهاد محملاً بأعباء التاريخ الداعية بمفهومها إلى نوع من الاقصاء والانتحاء عن كتاب الله نحو تأصيلات باتت مثبطة العقل المسلم عن أخذ موقعه الذي أراده الله له. ورب قائل يقول: وهل الإسلام مع التسطيح؟ وهل يترك للأغمار يلجون محكمه ويتعسفون في فتح مغاليقه؟، ولهؤلاء يقال: إن الله بنفسه جلَّ شأنه طلب من الناس أن يتدبره ويعملوا بمقتضاه، وإن شئنا أن نوافق هؤلاء على ما يذهبون إليه، فإن كلمات الله كفيلة بمسح سطحيتهم وترقية ذوقهم وتعميق فكرهم، وهل ولد التقليد بين المسلمين إلا سذاجة بينهم، واتباعاً غير واع لما يلقى إليهم، وهل أوجد السطحية والظاهرية بين المسلمين إلا مناهج التقليد، والتحذير من النظر في الكتاب المبين، حتى بات الفقه مثقلاً بمذهب أهل الظاهر، ففشى بين جميع المدارس الإسلامية، فما من مذهب إلا وقد ضرب له من الظاهر بنصيب وافر.
يمكن أن يعتذر لمن قال بأن التقليد جائز، بأن ذلك عندما كان الجهل سائداً بين الناس، فلا يوجد في القرية أو المدينة إلا قليل ممن يحسن القراءة، فالناس حينها لم يكن يستطيعون قراءة كتاب الله، فضلاً أن يتدبروه ويتأملوه ويستنبطوا الأحكام منه،
أما وقد شاع العلم، وأصبح معظم الناس يقرأون ويكتبون، وتحصلت لديهم من المعارف والعلوم بمختلف فروعها الشيء الكثير، فإنه لم يعد أي مبرر لدعوى التقليد، بل عليهم أن يتعاملوا مباشرة مع كتاب ربهم، ولا يعني ذلك أن الناس لا تتفاوت مداركهم في فهم الكتاب العزيز، وأن الجميع يكونون على مستوى واحد من العلم به، ولكن أيضاً عليهم أن يكونوا قادرين على الرجوع إليه فيما ينوبهم من حوادث الزمان، وإذا وضعت مناهج يتربى عليها الناس للرجوع إلى القرآن فإن المسلم بما يكتسب من دربة مع الأيام سيصبح قادراً على الاغتراف من دين الله دون جهد كبير، ولأن يخطأ الناس ثم يتدرجون إلى الصواب أفضل من أن يحال بينهم
) إبراهيم بن أحمد الكندي؛ الاجتهاد حقيقته ومصادره من أعمال ندوة الاجتهاد في الإسلام، ص
-101
9
102