من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

الشجر أعود بالفائدة عليهم فقطعوا أكثره، واختصت هذه الجزيرة أيضاً دون غيرها من البلاد بحسن الأصواف المحمودة الأوصاف التي ليس بافريقية لما ينسج من أثوابها نظير: وذلك معلوم من أمرها شهير.

وأكثر مساكن أهلها أخصاص من النخيل يجعل كل واحد منهم في أرضه واحداً أو اثنين أو أكثر من ذلك ثم يسكنه بعياله، وليس بها بناء قائم إلا دور قليلة، وهم ينقسمون إلى فرقتين فرقة تعرف بالوهبية ورئاستهم في بني سمومن وأرض هذه الفرقة من الجزيرة الجهة الغربية فما والاها من جهة الشمال، وفرقة تعرف بالنكارة ورئاستهم في بني عزون وأرضهم الجهة الشرقية فما والاها من جهة الجنوب. وكانت مدينة جربة فاصلة بين أرضيهم وكلا الطائفتين خوارج غلاة في مذهبهم مكفرون العصاة على ما هو معروف من مذهب الخوارج، لا كمذهب المعتزلة في امتناعهم من إطلاق اسم الكفر على من واقع كبيرة ولم يتب منها فإن المعتزلة لا تسميه كافراً ولا مؤمناً وتسميه فاسقاً على حكمهم بتخليده في جهنم، وكأن المعتزلة بزعمهم توسطوا في هذا بين مذهب الخوارج ومذهب أهل السنة، والمتصلحون منهم لا يما سحون بثيابهم ثياب أحد ممن ليس على مذهبهم. ولا يؤاكلونه في آنيته وإن استسقى عابر سبيل من بعض أبيارهم استخرجوا ماء البئر كله، فماحوه وثياب الجنب عندهم لا يقربها طاهر وثياب طاهر لا يقربها جنب، وقد شاهدت منهم من كان على ظهر إذا أجنب غسل ثوبه الذي أجنب فيه يرفعه بعصا أو بمحجن ثم يلقيه في البحر فيخضخضه بعصاه ساعة ثم بعد ذلك يتناوله بيده، ويوجبون على أنفسهم الغسل صباح كل يوم رجالاً ونساء أجنبوا أو لم يجنبوا ويتوضؤون ثم يتيممون وقد شاهدت هذا كثيراً، ويشترطون في وضوئهم غسل الأيدي من الأكتاف إلى غير ذلك من آرائهم الواهية، والأفعال التي حكينا عنهم منها ما شاهدناه وهو ما قصصنا ومنها ما حكاه عنهم الشريف (الإدريسي) في كتابه المؤلف للجار (الملك روجر النورماندي).

منهم

أبو محمد عبد الله التجاني

الرحلة، تقديم ونشر حسن حسني عبد الوهاب،

المطبعة الرسمية بتونس، 1858، ص ص 121 - 124.

149