من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٦٩أبي سالم تشكل مجلس من رجال الدولة لمساءلة لسان الدين بن الخطيب عن التهم التي وجهها إليه أبو الحسن النباهي وخاصة تهمة الإلحاد والزندقة، فحكم بعض الفقهاء المتزمتين بإثبات التهم عليه وأفتوا بوجوب قتله. فأودع السجن بفاس، وحينما تيقن بهلاكه وانقطع أمله في النجاة. وضع قصيدة يتحسر فيها على حاله ويرثي نفسه منها:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت وجئنا بوعظ ونحن صموت وأنفاسنا سكنت دفعه كجهر الصلاة تلاه القنوت وكنا عظاماً فصرنا عظاماً وكنا نقوت فها نحن قوت وكنا شموس سماء العُلا غربن فناحت عليها البيوت فكم جدلت ذا الحسام الظبا وذو البخت كم جدلته البخوت فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذي لا يفوت فمن كان يفرح منكم له فقل يفرح اليوم من لا يموت
هذا وقد اقتحم عليه نفر من خصومه وأفراد من أعوان وخدم السلطان الغني بالله زنزانته، وقتلوه خنقاً. وبعد دفنه أخرجت جثته وأحرقت من طرف الغوغاء إلى أن احترق شعره واسودت بشرته ثم أعيدت إلى القبر، وقد تعرف المقري على قبره حينما كان مقيماً بفاس وذكر في نفح الطيب أنه زاره مراراً وهو يوجد فوق باب المدينة الذي يقال له باب الشريعة وهو الآن باب المحروق وشاهدت موضع دفنه غير مستو على الأرض، بل ينزل إليه بانحدار كثيرة.
كان مقتل لسان الدين الخطيب مؤشراً على قرب نهاية عصر الإبداع في الثقافة الأندلسية والمغربية، فقد انطفأت مع انقطاع أنفاسه شمعة مضيئة في مجال المعرفة الإسلامية، واختفت شخصية قلما جاد بها الزمان، فقد كان علماً بارزاً في الإرادة وعلم السياسة وأديباً فذا في نظم الشعر وصياغة النثر، ومؤرخاً محققاً دقة المعرفة وفخامة الأسلوب وموسوعية الرؤية فاستحق بجدارة لقب ذي الوزارتين لجمعه القلم والسياسة، وذي العمرين لقضائه النهار في الإرادة والحكم وليله في الدرس والقراءة لابتلائه بداء الأرق، وصفه صديقه عبد الرحمن ابن خلدون في التعريف بقوله: كان في اللسان ملكة لا تدرك. وكان آية من
جمع
169