من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٨العمال
البساتين وإجراء الأنهر واتخاذ الرحاء والمستغلات وغير ذلك. واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار. فقال ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله. حتى لا ترى دار إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي. وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين. واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة، فأقاموا على ذلك سنتين أو أقل من ذلك أو أكثر، والعمارة زائدة والناس والتجارة من كل الأقطار، تاجرون فلما كانت السنة الثالثة اجتمعت الإباضية بالمشرق وتراسلوا فيما بينهم وقدم القوم وجمعهم البصرة … فأجمع رأيهم على أن يوجهوا إليه بعشرة أحمال من المال وأرسلوا إلى رسلهم الأولين وأعلموهم بما جمعوه من المال وأن ذلك كله في سر وخفاء من والأجناد لئلا يطلعوا عليهم فيهلكوهم، وسألوهم كتمان ذلك فأجابتهم الرسل إلى ما دعوهم إليه من حمل الأحمال وتوجيههم بها إلى عبد الرحمن فلم تزل بذلك حتى أتت البلد ونزلت بالموضع الذي نزلت به أولاً، ثم وجهت نحو عبد الرحمن فوجدوا الأمور قد تبدلت وأحوال المدينة والأشياء قد حالت وذلك أنهم نظروا إلى قصور قد بنيت وإلى بساتين قد غرست وإلى أرحاء قد نصبت. وإلى خيول قد ركبت وإلى حفدة قد اتخذت السور والعبيد والخدام قد كثرت فلما رأوا ذلك تحولت نياتهم إلى أن قصدوا قصر صاحبهم فلقوه على ما عرفوا من التواضع فلم يعلموه بما أتوا به ولا ماحركهم إليه حتى لقوا رجالا ممن يثقون بهم في دينهم، ويسند إليهم في أمورهم فسألوهم عن أحوال عبد الرحمن هل تغيرت وعن أحكامه هل تبدلت. فقالوا بل هو على ما عاينتموه عليه ما تغير ولا تبدل ثم أعلموهم بما جاءوا به من | وعدد الأحمال فقالوا لهم ادفعوها إليه فإنه لا يصرفها إلا في وجهها.
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين،
المال
تحقيق وتعليق، محمد ناصر وإبراهيم بحاز قسنطينة، 1986، ص ص 28 - 33
18