من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢أبو عصيدة البجائي يبرر هجرته لوطنه
وإني لما ارتحلت الرحلة الأولى لقضاء حجة الإسلام، ما أقمت بالحجاز إلا بعض أعوام، وعدت إلى أن وصلت إلى حضرة تونس بلدكم، ومثلت فيها كما علمتم بين أيديكم. فوجدت معظم من عرفناه بها من الإخوان الكرام والأيمة الأعلام، وسادات الأنام وجماً غفيراً من الكتاب وذوي الآداب وخدمة الأقلام، وكان بيننا وبينه محبة وصحبة وذمام قد دارت عليه كؤوس الحمام، والتقطهم الموت كما يلتقط الحب الحمام، وصاروا كلهم أضغاث أحلام وخلا. منهم النادي والرحيب وعاينوا من هول الموت كل عجيب ومضوا على منهاج، ورحلوا إلى دار البلى أفواجاً بعد أفواج ثم سألت عمن تركناه بالأوطان، من الأهل والسكان والأتراب والإخوان الذين لم أزل مدة بعادي مستديماً له بذكرى، مشاهداً لهم وأن شط المزار بعين فكري، وكانت الأوطان بوجودهم عامرة. ووجوه بأخوتهم ناظرة. . إذ الديار ديار والنعيم بها والناس ناس وفي الأوطان أوطار فإذا الديار بلاقع مقفرات، ومعارف أصبحت نكرات. . . وإذا الأحباب وجل الأتراب قد شتت شملهم هادم اللذات وفرق جمعهم مفرق الجماعات، وصاروا في الأجداث والأكفان ولحقوا بخبر كان، فاشتد حزني لفقدهم، وتنقص عيشي من
الأمال
بعدهم. وعلمت أني لا شك لاحق بهم فاقتصرت على الوصول، وجعلت أنشد وأقول:
ما ينفع الربع الرحيب وقد خلا من أهل ودي ما هم والمنزل وكأنما كانوا خيالا طارقا نادي الفراق بجمعهم فترحلوا أأروم من عيشي المقدم رجعة من بعد ما ولى الزمان المقبل
هيهات والله هيهات أن يرجع من مات فثنيت عند ذلك عناني، وقد خامر الوله قلبي ولساني:
242