من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣كيف النجاة وما ملكت عناني والعمر أدبر والمشيب عناني
والعمر يمضي ساعة ثم ساعة والوزر ينقل عن يدي ولساني فما إن أتممت الأبيات حتى أنت الخيرات وأضطرمت في الحشى من الشوق الجمرات وفاضت العبرات وانقشعت بفضل الله سحائب الغفلة عن الناظر، وانكشف قناع الوجد عن معاينة نجد وحاجر، فانتدبت في الوقت رحيلي، وجعلت الصدق في عزم دليلي فلم يك غير بعيد إلا وقد رافقني التصديق وصادقني فيما أملته من وإذا بي في الحضرة العلية الفاخرة المولوية
الشريفة المحمدية:
التحقيق.
فررت من الدنيا إلى ساكن الحمى فرار محب لائذ بحبيب أنا اليوم جار للنبي بطيبة فلا طيب في الدنيا يقاس بطيبي
وأما ما ذكرت من أمر الغربة أنه ذميم. يا أخي من لم يذق مرارة الفراق
لم يذر ما حلاوة التلاق، إذا وصل الغريب إلى دار الحبيب، وجد في التقريب كل أمر عجيب وإذا وقف بالباب عرف لذة الاغتراب … فالعاقل يكون في نفسه غريباً وقلبه في صدره غريباً وروحه في ذاته غريباً وسره في حاله غريباً فلا يستريح من هم الغربة ما لم يصل إلى الحبيب، ومن هنا يظهر سر معنى قوله عليه السلام: كن في الدنيا كأنك غريب». وبالحقيقة ما طاب عيش القوم إلا بعدما هجروا الأوطان. وتسلوا عن الأهل والسكان.
وأما ما ذكرت من نفوذ المصروف وانقطاع المألوف وخوف الحاجة إلى الناس … يا خي لا بد من ترك محبوب لمحبوب إذ لا يصح الإرادة إلا بعكس العادة، ولا يعرف المعروف إلا بترك المألوف. فمن يستعفف يعفه الخلاق و من يستغن يغنه الوهاب الرزاق. . . والقناعة رأس مال اللبيب، وبضاعة الفقير الغريب.
أحمد أبو عصيدة البجائي
رسالة الغريب إلى الحبيب
تعريف وتحقيق أبو القاسم سعد الله
دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1993، ص ص 72 - 75.
243