من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

بوشاية من خاصته، فغادر الشيخ المغيلي المغرب وعزم على مواجهة اليهود بتوات فألزمهم الذل والهوان وقد روى ابن مريم ما يوضح جهاده ضد اليهود يقوله: أمر المغيلي جماعته فأخذوا آلات الحرب وقصدوا تلك الكنائس مشمّرين للقتال وقد أمرهم بقتل من عارضهم، دونها فهدموها ولم يعارضهم فيها أحد، ثم قال لهم: من قتل يهودياً فله علي سبعة مثاقيل فوضع المغيلي بذلك حداً لتحكم اليهود في تجارة السودان المربحة وكان ذلك بداية لمحو تواجد اليهود في الصحراء ومنطقة توات خاصة التي كان لهم بها وضع مميز بعد أن أسلمت جماعة منهم وآثرت جماعات أخرى التحول إلى مدن الشمال.

وبعد أن نجح المغيلي في الحد من شوكة اليهود بتوات توجه عبر الصحراء إلى بلاد السودان الغربي ليواصل مهمته الإصلاحية فأبقى ولده عبد الجبار بتوات وعبر الصحراء برفقه عبيده فوصل إلى بلاد أصير ودخل بلدة «تكده» فعلم بها ثم تحول إلى بلاد وكشن وطاف بأقاليم التكرور فاشتهر أمره عند الحكام وأتبعته العامة و دخل على يديه الكثيرون في الإسلام، وكان كلما حل ببلد إلا ووضع حداً لوجود اليهود. به فقد ذكر صاحب الدوحة أن تمبكتو وعمالتها لم يعد يدخلها اليهود ولا سائر بلاد الصحراء وحينما يظهر اليهودي هناك يقتل ويستباح ماله، وكل من يحمل مال اليهود للتجارة يستباح ماله معه بناء على مذهب الشيخ المغيلي ووصيته للآن».

حظي الشيخ المغيلي بمكانة لدى سلاطين السودان الغربي فعندما قدم كانو قربه سلطانها أبو محمد بن يعقوب فتولى الإفتاء واشتغل بالتدريس وكتب له رسالة (897 هـ) يرشده فيها إلى مبادئ الشريعة وأحكامها وقد شدد فيها على ضرورة الالتزام بالعدل، ومما جاء فيها قوله مخاطباً ملك كانو إذا نسيت شيئاً من أمور دينك ودنياك فلا تنسَ أن من غير دين الله فقد كفر، ومن تغيير دين الله أن يكون الظالم قاضياً. فإن كان لا بد من ان تجعل بعض الظالمين حكاماً فلا تجعلهم باسم القاضي، فإن القضاء من صفات رسول الله، لا يوصف به إلا عالم تقي ....

269