من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٧

آرائه وأفكاره. وقد وصف ذلك المستشرق الإسباني آسين بلاتيوس الذي كتب عن ابن حزم قائلاً: «قد عاين من ألوان الظلم ما أنضب معين الرقة واللين في نفسه و شاهد من مساءات الفوضى السياسية التي ضربت الأندلس ما نفر نفسه. وقد أوذي في شخصه وكرامته ما لقي من الاضطهاد ورأى الناس أجمعين ينكرون قدره ويتهجمون عليه ويقاطعون مذهبه الديني، ويجرمونه فاستقر رأيه على أن يعتزل الدنيا والناس وينزوي في موطن أسرته مُنْتِ لِشَمْ (قرب وَلْبَة)».

كل هذه الأحداث جعلت ابن حزم يؤمن بأن سلامة العقيدة وصون الشرف فوق الحياة نفسها وقد تقوى في نفسه هذا الشعور بعد أن أجحف في حقه فقهاء قرطبة، ومنعوه من التدريس في جامعها الكبير لكونه يدعو إلى المذهب الظاهري، وبعد أن شاهد المعتمد بن عباد بقرطبة يصادر كتبه ويأمر بإحراقها، وهذا ما عبر في كتابه «الأخلاق والسير في مداواة النفوس بقوله: «العرض أعزّ على الكريم ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله ويصون نفسه بجسمه، ويصون

عنه

المال. من

عرضه بنفسه. ويصون دينه بعرضه؛ ولا يصون بدينه شيئاً أصلاً».

اتصف ابن حزم بحسن أخلاقه وطيب شمائله ووضوح فكره وقوة حجته وإخلاصه لمذهبه ومقارعته لحجج خصومه ومناظرته لمن لا يأخذ بمبدئه، وهو القائل: فقلت له أسرفت في اللوم فائند فعندي رد لو أشاء طويل ألم تر أني ظاهري، وأنني على ما أرى حتى يقوم دليل

كما اشتهر ابن حزم بمعارفه الموسوعية ونزعته العقلية وتوجهه الإنساني الذي أهله لأن يحتل مكانه بين نوابغ البشرية وهذا ما يجعلنا نراه غير مبالغ في

وصف نفسه أمام قاضي جماعة قرطبة عبد الرحمن بن بشر، بقوله: أنا الشمس في جو العلوم منيرة

ولكن عيبي! أن مطلعي الغرب

وأن رجالاً ضيَّعُوني لَضُيَّع وإن زماناً لم أنل خصبه جَدْبُ

لقد تتلمذ على ابن حزم العديد من رجال العلم منهم الوزير الإمام أبو محمد

المغربي والمؤرخ أبو عبد الله الحميدي صاحب جذوة الاقتباس الذي وصف أستاذه

27