من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٣٤٨

عليها. والثاني في قدومه إلى بلاد المسلمين سالماً والثالث في بلوغه مراكش ومكوثها بها، والرابع في ركوبه البحر إلى بلاد الفرنجة وما اتفق له بها، والخامس في قدومه باريس (بريش)، والسادس في قدومه مدينة بوردو (برضيوش) والسابع في رجوعه إلى بوردو ومناظرته علماء النصارى بها والثامن في قدومه ألونة (Olonne)، والتاسع في تحوله مرة أخرى إلى بوردو ومناظراته القسيس والرهبان، والعاشر في مناظرة اليهود بفرنسا وهولندا والحادي عشر في قدومه هولندا (فلنطش)، الثاني عشر بأحد الرهبان العلماء بمصر، والثالث عشر في ذكر ما أنعم الله به عليه في بلاد الأندلس، وغيرها، وقد جاءت كل هذه الأبواب في أسلوب خطابي يتماشى والبناء اللغوي الملائم للمناظرات والخطاب الجدلي بِجُمله المنقطعة السريعة النفس، وبعباراته الواضحة التي لا تخلو من تأثره باللغة القشتالية في بعض المفردات والتراكيب.

ركز أحمد الحجري في رحلته على مناقشاته لرجال الدين المسيحيين الذين التقى بهم في فرنسا وهولندا خاصة، مما جعلها عرضاً لمناظرة بين المسيحية والإسلام من منطلق حضاري تلتزم حدود الاحترام ومبادئ التسامح وإن حاول فيها إبطال براهين الخصم وتسفيه آرائه باتباع أسلوب يهدف إلى إقناع القارئ، بأن يعتمد أولاً على الخطاب الأحادي النظرة بإظهار تفوق الخصم بادئ الأمر ثم

لنا

يعمد إلى نقض آراءه بالأدلة والحجج والبراهين مؤكداً انتصاره عليه. كما. يتبين في هذا النموذج عن مناقشة الحجري لرجال الدين المسيحي: قال: ولما التقيت بالقاضي النصراني كان يشكر لي دينه حتى قال لي مراراً، يا فلان رأيت أنه يليق بك أن ترجع نصرانياً، قلت له: على أي مذهب من مذاهب النصارى؟ فقال ليس لنا إلا مذهباً واحداً فقلت له لو كان الله تعالى يُحْيِي نصرانياً من زمن سيدنا عيسى عليه السلام، ثم يحيي نصرانياً في كل قرن من القرون الماضية وجميعها سنة عشر قرناً، فكل واحد منهم يقول لغيره أنهم كفار لما يرى من الزيادة والنقصان، والعقل السليم يحكم بحكم قطعي أن دين الله تعالى لا فيه زيادة ولا نقصان كما هو ديننا، قال القاضي ديننا كذلك. قلت دينكم مفتوح للزيادة والنقصان.

كانت رحلة أحمد الحجري صرخة واعية واستغاثة يائسة لطائفة المورسكيين

348