من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٠٤

الوعد المفعول، فلا ترى إلا هاوياً من ذرى شرفة تخلفه جمة، أو شهيداً تتراحم على مواقفه لمة، أو ثنية تفرع أو شعاراً يسمع ونزل الصبر. وأنجز الوعد، وقذف الله الرعب في قلوب الكافرين، وأمد أولياء بالملائكة المسومين، ففزعت أسوار المدينة، ودخلت والحمد لله عنوة، وقد شهرت السيوف، وتخارقت الرماح، وحق عليهم القول، وأخذتهم الرجفة، ولولا أنهم هربوا ليلا لهبروهم بالسيوف، وعاجلوهم بالحتوف واستولى على أقطار المدينة استيلاء عجل المجانيق عن الركوع، وصواعق الصخر عن الوقوع، ولولا أن العدو كان متأهباً للفراغ، وأنه حمل متاعه إلى عدوتهم التي زعموها محل القرار، لانطلقت الأيادي على ما لا يناله الحصر، ولا يدركه العد، من الذخائر المصونة وآنية الرقة الثقيلة، والأسلحة المستجادة وعاثت في الخزائن الطامية، والأقوات الهائلة، ودنان الأدهان المدخرة، والخمور المفوهة. إبادة وعبثاً وإراقة ونقلاً، إلى ما يكاثر الحصى، وأجزاء الهباء، وقيدت نواقيسها بالحبال التي حركت جبالها، وقلقلت هضابها، فأبرزت خاسئة فاغرة، وتركتها - بعد سل لسانها - دامية ثاغرة، وكفى الله شرهم ودفع ضررهم واستأثر هذا السيد - نصره الله - بالسعد المعجل. فدخلها خليفته وعسكره المنصور بالله في اليوم الأغر المحجل، من شوال سنة تسع عشرة ومائة وألف (1119 هـ) وحصلوا عليها من غير سلاح يعمل، ولا حق يهمل، ولا نفس ريعت ولا حرمة للدين أضيعت فانتظمها سلك الأمير السعيد، واتصل الأمر القريب منها بالبعيد، فأقيمت فريضة الشكر - والحمد لله - لوقتها، وتليت في بساط الاعتبار بالنعم: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها).

محمد بن ميمون الجزائري

التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية

تقديم وتحقيق محمد بن عبد الكريم الشركة الوطنية للنشر،

الجزائر، 1972، صص

228 - 225

404