من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٣ومع أن البكري لم يتجاوز مجال تنقلاته وأسفاره منطقة صغيرة من ولبة إلى
المرية ومن إشبيلية إلى قرطبة إلا أنه وبفضل اطلاعه الواسع على المصادر والوثائق وميوله العلمية ودقة ملاحظاته ونظرته المتفحصة، استطاع أن يستوعب كل المصادر التي توفرت لديه بكل من المرية وإشبيلية وقرطبة فجاء كتابه المسالك والممالك جامعاً بين جمال الوصف ودقة المعلومات وطرافة العرض وعمق التناول. ولعل هذا ما جعل دوزي يشيد بالبكري ويقول عنه فيما نجد غيره من الجغرافيين يقعون في خطا بعد خطا ويناقضون أنفسهم بين موضع وموضع إذ بنا نجد معلومات البكري واضحة ناصعة، وكتاباته توصف بعبارة واحدة؛ انها صادقة.
1068/
انتهى البكري من تأليف كتاب المسالك والممالك (سنة 460. الذي جعله في قسمين جمع فيهما دون ترتيب أوصاف المدن والمواقع والمسالك، الأول: يشتمل على أوصاف بلدان المشرق فيبدأ بعرض مطول لمبدأ الخلق وتاريخ الأنبياء من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم مع ذكر للمعتقدات الدينية عند العرب وغيرهم. ووصف لأهم هياكل العبادة القديمة بعدها يخلص إلى وصف جغرافي للأراضي والبحار والأنهار، ومستعرضاً الأقاليم السبعة ابتداء من الشرق وحتى الغرب فيبدأ بالهند والصين وينتهي بالإفرنج والجلالقة والنورمان مع ذكر للأكراد، ثم يستعرض بعد ذلك ممالك اليمن القديمة والحيرة واصفاً جزيرة العرب متوسعاً في وصف مكة المكرمة، ثم يخلص إلى وصف العراق وبلاد فارس وخراسان وما وراء النهر مع ذكر لبعض الشعوب التركية.
أما القسم الثاني من كتاب المسالك والممالك فيبدأه بوصف حائط يأجوج ومأجوج ورحلة سلام الترجمان وبعد تعرضه لبلاد المشرق: الشام والعراق ومصر يفرد وصفاً مطولاً لبيت المقدس يتناول فيه بلاد الروم وأقاليم النصارى ابتداء من جزر البحر المتوسط (بحر الروم) وحتى الأقاليم القاصية (بلاد الروس والانقليش)، بعد ذلك يتوسع في وصف مصر لينتهي إلى بلاد المغرب وأقاليم الصحراء ومملكتي غانة ومالي. وفي الأخير يصف الأندلس وما وراءها من بلاد النصاري إلا أن هذا الجزء يعتبر في حكم المفقود وكذلك المقدمة، وبناء على
53