من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٥٥٢

خلدون في العمران ومواقف مفكري عصر التنوير مثل مونتسكيو وستيوارت ميل وغيرهم. وكان كل ذلك دافعاً له على وضعه كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك الذي ضمنه مقدمة طويلة حلل فيها وضع البلدان العربية الإسلامية في إطار الدولة العثمانية وما تميزت به من قوانين وتنظيمات لشؤون الحكم، وما يراه من حلول للمعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تتخبط فيها، وقد أدرج أفكاره في شكل مطالب بدأها بمطالب ما يسوغ موافقة غير المسلم في الأفعال الحسنة، وختمها بمطالب تفويض إدارة حكم المملكة لشخص واحد

عند الضرورة.

وضع خير الدين باشا كتابه أقوم المسالك في قسمين، الأول يحتوي على عشرين باباً والثاني يشمل ستة أبواب، وضمن القسم الأول عرضاً لأوضاع الدول على عهده فذكر حالة الدولة العثمانية، ثم تطرق إلى أوضاع باقي الدول الأوربية: فرنسا وإنكلترا والنمسا وروسيا وبروسية وحرمانية وإيطاليا وإسبانيا والسويد والنرويج وهولندا والدانمارك وأوربا وبلجيكا والبرتغال وسويسرا وممالك البابا وفور تنبورغ و بادن والإغريق، وختمه بخلاصة عن القوة المالية والعسكرية لمجموع الدول الأوربية. أما الكتاب الثاني فكان في الكلام عن أقسام الكرة الأرضية» حسب القارات: أوربا وآسيا وإفريقيا وأمريكا وجزر الأقيانوس، وأقسام البحر، وهذا ما جعل القسمين الأول والثاني من كتاب أقوم المسالك عبارة عن معلومات محدودة القيمة فهي عرض تاريخي عادي ومعلومات جغرافية بسيطة بينما تكتسي المقدمة أهمية كبرى لأنها تقدم صورة عن تطور الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي وعن نظرته للأوربيين والحكم على الأوضاع الفاسدة، فكانت هذه المقدمة أهم ما كتب بالعربية في القرن الماضي في أمور السياسة والاجتماع، تضمنت نظرة خير الدين إلى مشاكل العالم الإسلامي التي كانت خلاصة اطلاعه على أوضاع أوربا، وتجربته في توليه للمهام الإدارية والوظائف السياسية والعسكرية السامية واحتكاكه بالواقع المعيش بتونس وإستانبول، وهي لهذا لا تشكل برنامجاً إصلاحياً لوضع تونس فحسب بل لكل البلاد الإسلامية التي كانت على شاكلتها وتقييماً لتجربة حية عاشها خير الدين من خلال الرغبة في تطبيق

552