من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٦٠٩علي أبي طالب وبايعه، وكذا الإخوة، وسائر القرابة، ثم الأشراف والعلماء والأعيان والرؤساء على حسب مراتبهم وطبقاتهم بايعوه على ما بايعه عليه والده، ولا يخفى على ما في وقوع هذه البيعة تحت الشحرة من الاتفاق الغريب، وما فيه من الإشارة إلى متابعة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره في بيعة الرضوان.
وبعد أن انتهت البيعة لسيدي الوالد ركب سيدي الجد إلى مدينة معسكر» حاضرة الإمارة، ولما أن دخلها، وجد السرور والبشر قد عم عامة أهلها، وقد طلع على أهل الصلاح؛ فجراً صادقاً، وعلى أهل البغي والفساد؛ نجماً طارقاً، فتهلل وجه الصالحين وأيقنوا بصلاح الحال وتكدر عيش المفسدين، وأيقنوا بالوبال في الحال، وفي المآل، ثم أقبل الأمير بعده في جموعه. وكانت زهاء عشرة آلاف فارس فبرز أهل البلد احتفالاً به. واستقبلوه في الموضع المعروف بخصيبية) على نصف سماعة منها مظهرين للطاعة وشعائرها. فأقبل عليهم ببشره وابتسامه قبل كلامه، وبعد أن تناول من طعامهم الذي كانوا قد أعدوه لحضرته؛ دعا لهم وحثهم على الطاعة والتزام الجماعة، ثم ركب ليدخل البلد؛ فأطلقت المدافع، وغردت الموسيقات بما يطرب السامع ونشرت الرايات والأعلام، وبرزت المخدرات من القصور، تثني على الأيام، فدخلها على أحسن حال، وأتم منوال، ونزل في دار الحكومة؛ فجلس على كرسيه ودخل عليه أهل البلد، ومن لم يشهد بيعة «غريس» أفواجاً أفواجاً، لأداء البيعة.
الأمير محمد بن عبد القادر الجزائري
تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر،
دار اليقظة، بيروت،1964 ص ص 154 - 157
من التراث التاريخي * 39
609