العلاقات الخارجية للدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ١٤٦يلاحظ المرء بالنظر إلى عبارة ابن عذارى وابن الخطيب الجمع بين تاهرت وسجلماسة، وربطهما بقرطبة، وهذا يجعل من المحتمل أن تكون هناك مساعدات بشرية واقتصادية لها علاقة بالسودان، وربما بفضل هذه المساعدات نجح الأمير محمد بن عبد الرحمن في هزيمة المجوس عندما حاصروا اشبيلية سنة 244 هـ / 858 م، إلا أن أبن حيان يكشف عن جوانب أخرى من اهتمام قرطبة بتاهرت وسجلماسة يتعلق بالعباسيين، إذ يبدو أن أمراء قرطبة لم يطمئنوا إلى بغداد ولم يثقوا بموقف العباسيين - السابق الذكر - فقد ذكر أن الأمير محمد بن عبد الرحمن كان شديد التهمم بخير الساحل والعدوة مراعيا لما هنالك من أخبار أعدائهم المسودة» (1) ويضيف أنه من أجل ذلك كان يلجأ الكثير ممن يتعرف عليهم من ملوك البرابر الملقين اليه بالولاية كبني مدرار ملوك سجلماسة، ومحمد بن أفلح بن رستم أمير تاهرت وغيرهم (2) ويبدو أن فارق الشهرة والمكانة بين أمير قرطبة باعتباره أميرا، يجاهد النصارى في البر والبحر لإعلاء كلمة الإسلام، وبين أمير تاهرت وأمير سجلماسة باعتبارهما أميرين لبلدين إسلاميين، داخليين، لا يجاهدان في سبيل دين الله مما جعلهما أقل مكانة من أمير قرطبة، في أعين المسلمين فظهرت صداقتهما مع أمير قرطبة بمظهر التبعية، ويكشف ابن حيان عن سبب هذا اللجوء فيذكر بخصوص أمير قرطبة، أن رسله وكتبه لا تزال تتردد إلى هذه الطوائف في البحث عن أخبار بني العباس بدار مملكتهم وأخبار ولاتهم وعمالهم بالشام ومصر وافريقية (3) وهكذا كشف ابن حيان عن بعض الغموض الذي يكتنف عبارة ابن عذارى وابن الخطيب
تزداد العلاقة الطيبة بين تاهرت وقرطبة وضوحا بموقف تاهرت من ثورة
عمر بن حفصون فقد ذكر ابن الأثير أنه في سنة 267 ها هـ /880 كان «ابتداء ابن حفصون بالأندلس بالخلاف على محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس بناحية رية (4)، وذكر ابن القوطية أن ابن حفصون خرج من تيهرت فأتى
(1) ابن حيان: المقتبس، طبعة القاهرة، ص: 265 - 266 (2) المصدر السابق، نفس المكان. (3) ابن حيان: المقتبس، طبعة القاهرة، ص: 265 266. (4) ابن الأثير: الكامل، ج 6، ص: 36
146.