العلاقات الخارجية للدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٢١موقفا وسطا، ومما يؤكد هذا الموقف، قول ابن الصفار لابن اباض: «برئ الله منك فقد قصرت وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا» (1)، ويبدو أن الذي يميزهم هو موقفهم من المخالفين، وبالتالي موقفهم من الخلافة، أما وقد تخلوا جميعا عن مبادئهم السياسية فيما بعد، فقد التأمت الهوة بين المذهبين وازداد التقارب، فعاش هؤلاء جنبا الى جنب، يمارس كل حياته الخاصة، مثلما كانوا يعيشون في القيروان في نفس الفترة، حيث كان يظلهم مسجدا واحدا، يتلقون فيه علومهم، الى أن فرق سحنون حلقهم، ومثلما كانوا يعيشون في تاهرت نفسها، فقد أشار ابن الصغير الى وجود الصفرية فيها (2)، ويبدو أن هؤلاء التزموا الهدوء في تاهرت، خاصة في أوائل عهدها، بل أن البكري يذكر أن ميمون بن عبد الوهاب كان رأس الاباضية وأمامهم وأمام الصفرية والواصلية (3) وهذه العبارة تكشف عن قدم وجودهم في تاهرت، وانقيادهم للرستميين، وليس هناك من يذكر أنهم ثاروا أو تحالفوا مع الثائرين على الزستميين كالنكارية والواصلية، الا أن أبا زكريا ذكر في «سيرة» أنه خرج الى الحجاني (عبد الله الشيعي) وجوه
أهل تاهرت من المخالفين ومن بها من الصفرية (4) وشكوا اليه امارة الفرس
كما تقدم ـ وهذا يدل بوضوح على معارضتهم للرستميين في أواخر أيامهم
-
،
ومن المستبعد أن يكون ذلك بتدخل من المدراريين، لأنهم ـ على الأقل ـ لم تكن لهم سياسة توسعية باتجاه تاهرت وخشيتهم من ثورة الاباضية في سجلماسة، فيظهر ان خلاف الصفرية مع الرستميين، هو صراع الريف مع المدينة، وتعبير عن التناقض الإجتماعي والاقتصادي بينهما، فقد ذكر ابن الصغير أن أبا حاتم يوسف اجتمعت قبائل الصحراء اليه خلا الحصن المعروف بتالغمت وأهل الصفرية
(1) الطبري: تاريخ، حوادث سنة 65 هـ، ج 7، ص: 519 وهذا الموقف يثير الشك حول صحة ما ذكره أبو يعقوب الورجلاني من أن الصفرية حكموا على الجميع بالشرك فاستعرضوا الجميع وأجروا عليهم حكم الشرك): أنظر: الدليل والبرهان ج 3، ص: 62. ربما انطبق هذا على ورفجومة التي
يشك في صفريتها.
(2) ابن الصغير: السير، ص: 52 (3) البكري: المغرب، ص: 67
(4) أبو زكريا: السير، ص: 108 - الباروني: الأزهار، ج 2، ص: 292.
221